رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
الفُسطاطان

عندما دُعيتُ لإلقاء محاضرةٍ عن الأبعاد الثقافية للصراعات العالمية الراهنة، فكرتُ فى مدخلٍ لها. وتذكرتُ خلال التفكير الكلمة التى ألقاها مؤسسُ تنظيم القاعدة وزعيمه الأول أسامة بن لادن عقب هجمات سبتمبر 2001 فى واشنطن ونيويورك، وكيف قسَّم فيها العالم إلى فسطاطين: (أقول إن هذه الأحداث قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر، أعاذنا الله وإياكم منه ..).

كان بن لادن يتحدث عن عالمٍ لا وجود له إلا فى خياله. كان عالمه ضيقًا للغاية. فلا تعدد فيه ولا تنوع, ولا ألوان ولا ظلال بل أسود وأبيض0 انقسامُ صارم على أساسٍ يستحيل تحديده واقعيًا ومعرفيًا لأنه يعتمد على ما تخفيه الصدور أكثر مما يستند على ما تُظهره الأفعال التى كثيرًا ما تناقضُ الأقوال أو تتعارض معها.

ومع ذلك فعندما نتأمل عالم اليوم من زاوية حرب الإبادة فى غزة نجد أننا إزاء حدثٍ تاريخى يقسم العالم أيضًا إلى قسمين، ولكنهما ليسا افتراضيين ولا مُغلقين. فالصراعُ فى هذا السياق يدور بين التحرر والطغيان، وبين التحرير والاستعمار، وبين العدل والظلم، وبين الحق والقوة.

هما فسطاطان، إذن، لأن إجرام قوى الاستعمار والطغيان والظلم التى تملكُ القوة يُظهِرُ نقيضه الآخذ فى ازدياد وتوسع، وفى استعادة مساحات سياسية وإعلامية سيطرت عليها هذه القوى قبل طوفان الأقصى. ويعنى هذا أننا إزاء فُسطاطين مختلفين. فالخارجون من فسطاط الاستعمار والطغيان والظلم، والمُنتقلون إلى فسطاط التحرر والعدل والحق، يزدادون كل يومٍ ويرفعون أصواتهم التى لا يملك معظمهم غيرها حتى الآن. كما أن فى كلٍ من الفسطاطين تعددًا وتنوعًا، خاصة فسطاطُ التحرر والحق والعدل. لا أثر كبيرلانقسامٍ على أساس دينى أو عرقى، بل العكس هو الأصح فى الأغلب. فى كلٍ من الفسطاطين مسلمون سُنة وشيعة ومسيحيون بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، ويهود أيضًا. كما أن فى كل منهما لا دينيين أو لا أدريين، ومُلحدين. وقل مثل ذلك عن الأعراق والألوان0 ويتجلى الصراعُ بين هذين الفُسطاطين اليوم سياسيًا وعسكريًا فى قطاع غزة الذى يُكتبُ فيه فصلُ من أهم فصول التاريخ.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: