رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

حقيقة الأنفاق فى قطاع غزة

المؤكد فى هذه المرحلة من الحرب على قطاع غزة أن نيتانياهو؛ وكثيرا من ضباط الجيش الإسرائيلى قادة الصف الثانى بالخصوص، فى احتياج ملح لغطاء اعلامى سميك يضمن ويوفر لهم ذريعة، كى تستمر الآلة العسكرية فى الدوران والهدير. لهذا خرجت للنور قضية «الأنفاق» المزعومة التى تربط بين قطاع غزة وسيناء المصرية، باعتبارها وفق الرواية والإلحاح الإعلامى الإسرائيلى هى التى تمثل، شريان التدفق الذى مكن عناصر حماس من الوقوف على أقدامهم حتى الآن، بعد مضى ثمانية أشهر من عمر الحرب. السؤال المقابل المنطقي، وهل تحتاج إسرائيل لغطاء أو لأى ذرائع كى تستمر فى الحرب، فى الوقت الذى تبدو ماضية فى خططها التدميرية للقطاع، دون أن تأبه للحظة لاستقبال الآخرين لفعلها المشين أيا كان هؤلاء الآخرون، سواء من مجتمع دولى أو حلفائها الاستراتيجيين أو جوارها الإقليمي.

إجابة هذا السؤال، هو أن إسرائيل بالتأكيد طوال الوقت تحتاج للذرائع طالما هى دولة فى «حالة حرب»، وداخل فصول تلك الحرب وضمان استمراريتها تلزمه طوال الوقت عشرات الذرائع الصغيرة التى تخدم تحركات وأفعالا بعينها. بالمناسبة هذا الأمر ليس مقصورا على إسرائيل وحدها، فكل الحروب يستخدم فيها هذا النمط الدعائى الذى قد يستند على حقيقة، أو فى بعض الأحيان يستدعى حقيقة ماضية يتسربل بها كغطاء لسردية تعانى فى المقابل انكشاف المصداقية، تماما كما الحال فى فرية «الأنفاق» الواصلة بين غزة وسيناء. فى حروب أخرى عديدة يستخدم هذا النمط طوال الوقت، الحرب الروسية الأوكرانية نموذجا معاصرا وهى مليئة بالذرائع من كلا الطرفين، وفى التاريخ النماذج أكثر من أن تحصى لكن ربما أشهرها الحرب العالمية الثانية، التى اندلعت تحت أستار كثيفة من الذرائع والأكاذيب الصغيرة والكبيرة، وصولا لاستخدام القنبلة الذرية فى النهاية.

لم يجد نيتانياهو الوصول مع مصر «الوسيط» لاتفاقية هدنة، وتبادل للأسرى والانصياع المرغم لضغوط عدة بالداخل والخارج، ما يخدم مصالحه فى التوقيت الذى كان الجميع يرى أن الصفقة نضجت بما فيه الكفاية، للتوقيع، ومن ثم نزع فتيل «معركة رفح» أو إرجاؤها لمدى غير محدد على الأقل. فى تلك المحطة بالتحديد كان ضروريا لرئيس الوزراء الإسرائيلى أن يحول مصر من «وسيط» نزيه فعال، يحظى بدعم جميع شركائه فى الوساطة وغالبية الأطراف الأخرى ذات الصلة، إلى «خصم» لدى إسرائيل معه بعض من الإشكاليات والتناقضات المحسوبة، أو المؤقتة التى قد يسهل تجاوزها لاحقا. الخطوة الميدانية التى تحقق هذه «الخطة الصغيرة»؛ هى تقدم القوات الإسرائيلية للسيطرة على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وهى خطوة بالتأكيد تضمن إثارة الغضب المصري، والبدء بعدها مباشرة فى اصطناع الخلافات بما جرى تسريبه لوسائل إعلام أمريكية، حول تلاعب الجانب المصرى بوثائق الوساطة التى جرى تبادلها بين وفد حماس والوفد الإسرائيلي. بعد أن تهاوت سريعا هذه القصص الصحفية المثيرة، التى كان من السهل نسفها، فالأمر كان يتم مصريا بالجدية التى تلزمها جهود دقيقة من هذا النوع. لكن المستهدفات الميدانية التى احتاج إليها قادة الصف الثانى من العسكريين، كانت فى حاجة لأن تتقدم للوصول للشريط الحدودى الملاصق للحدود المصرية «محور فيلادلفيا»، من أجل استثمار الوقت الذى وفرته تلك الخلافات بصب مزيد من الأكاذيب، حتى تصل القوات الإسرائيلية لحالة «تموضع نموذجية» قبل انخراطها مرة أخرى فى التفاوض، تحت السقف الذى أحرزته على الأرض.

طوال الأشهر الأولى من عمر الحرب الإسرائيلية، ظلت تل أبيب تروج للدور الإيرانى باعتباره الرئيسى فى دعم حركة حماس، وقد جرى فى هذا المسار كثير من الوقائع والمحطات حتى وصل لذروته فى الهجوم الإيرانى على إسرائيل، وما تبعه من الرد الإسرائيلي. الثابت أن تدخلا أمريكيا جرى بين الطرفين، لضبط إيقاع الفعل الإيرانى والرد الإسرائيلى على حد السواء، ويبدو أن هذا التدخل امتد لما بعد ذلك فقد خفتت الاتهامات الإسرائيلية لإيران بشكل ملحوظ فيما يخص، امداد حركة حماس بالأسلحة والصواريخ. لهذا ليس صعبا كثيرا ملاحظة سحب هذه الرواية الإسرائيلية التى ظلت معتمدة لشهور، واستبدالها بدور لأراضى سيناء كونها المشغل الرئيسى لحركة حماس، عبر الأنفاق التى تحظى برعاية رسمية مصرية فى بعض المزاعم وغير رسمية فى أخرى. بل ذهبت بعض الادعاءات الإسرائيلية المتهورة، إلى أن قادة حماس فى جناحها العسكرى بالضرورة استخدموا تلك الأنفاق للهروب من قطاع غزة، والاختباء داخل الجانب المصري، وربما يكون بصحبتهم أيضا المحتجزون الإسرائيليون!

الإعلان منذ أيام عن اكتشاف فتحات 20 نفقا داخل غزة بالقرب من الحدود مع مصر، يستكمل جوانب السردية الإسرائيلية المطلوب تسويقها بداية للداخل الإسرائيلي، المتلهف لأن يتابع أى إنجاز عسكري، وهذا يضعه أمام قصة مثيرة تبرر له إخفاق الجيش الإسرائيلى حتى الآن فى الوصول لقادة حماس والمحتجزين، وتسكينا للأطراف الدولية التى ضاقت ذرعا باستمرار الحرب وتلح يوميا على ضرورة إيقاف الآلة العسكرية. هذه الفتحات المشار إليها والتى لم ولن يلتقط لها أبدا صورة واحدة كاملة، من المعلوم يقينا أنها من مخلفات الأنفاق التى دمرتها السلطات المصرية من جانبها داخل الأراضى المصرية، خلال الأعوام من 2014 وحتى 2020 تاريخ الانتهاء من تطهير كامل تلك المنطقة، وبناء منطقة عازلة حديثة ومتطورة، بأحدث التقنيات الأمنية والإنشائية لمناطق الحدود فوق الأرض وتحتها، ومعززة بمخطط كامل لمنطقة عازلة مراقبة على مدى الساعة. هذه معلومات يعلمها يقينا الجانب الإسرائيلي، فمصر لم تقم بذلك فى الخفاء، إنما مثل هذا التغيير الكبير فى المنطقة الحدودية، أحد الفصول المهمة التى قامت بها فى حربها على الإرهاب، ولم تكن لتحقق الانتصار وتطهر سيناء دون إنجاز تلك الخطوة. هذا المشروع الكبير مسجل فى سجلات الدولة المصرية، بتكلفة بلغت 3.2 مليار جنيه شاملا التعويضات التى خصصت لأهالى تلك المناطق، التى استلزم نقلهم لأماكن بديلة داخل أراضى سيناء.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: