رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اللحظة الأوروبية الممكنة فى أزمة غزة

قبيل السابع من أكتوبر الماضى، ولفترة امتدت لعامين تقريبا، كثر الحديث تحت عنوان رئيسى واحد هو أن العالم يتغير، كان المعنى حينها القوى الدولية الكبرى ومساحات تأثيرها وقدرتها على إدارة الأزمات والتفاعلات الدولية المركبة، وفى مقدمتها ما هو أكثر ارتباطا بحالة السلم والأمن الدولى. من تناولوا هذه الأطروحات فى دوائر الفكر السياسى وصناع القرار، كانت إشاراتهم وأنظارهم ترنو إلى أطراف بعينها هى الولايات المتحدة والصين وروسيا، والاتحاد الأوروبى ككيان جامع ولدوله الرئيسية منفردة، ما يتعلق بقدراتهم على صياغة انخراطهم الفعال ومدى استجابته للمتغيرات المتلاحقة.

وأخيرا جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة، لتضع مفهوم تغير العالم تحت المجهر بل وتخضعه لاختبار قاس، لاسيما مع تفرد هذه الحرب بقسوتها المفرطة والارتفاع غير المسبوق فى حجم الضحايا. تلقائيا فتحت التساؤلات حول مدى التغيير الذى طرأ على العالم، وكيف يمكنه أن يتجاوب مع ما يجرى فى قطاع غزة، وهل يمكن أن تحظى القضية الفلسطينية والفلسطينيون باستجابة دولية مختلفة تعكس هذا التغير؟ الأسئلة انطلقت منذ اللحظات الأولى للأزمة، وحينها كان هناك تداخل كبير فى مكونات المشهد وتفسيراته، خاصة ما يتعلق بدوافع ونمط «عملية الهجوم» التى قامت بها حركة حماس، ومثلت الشرارة التى أشعلت الحرب الإسرائيلية ضد القطاع برمته. تسبب هذا الاضطراب فى تأويل مسببات ما جرى والنمط المفاجئ الذى انتهجته العناصر الفلسطينية، فى تشكل مواقف دولية لم تبتعد كثيرا عما هو متوقع منها، انحياز واستنفار كامل من الولايات المتحدة لصالح إسرائيل ولحق بها تأييد أوروبى كاد يكون كاملا، فى حق إسرائيل بشن الحرب المفتوحة تحت مبدأ الدفاع عن النفس. اللافت أن الموقفين الأمريكى والأوروبى، طرأت عليهما تغيرات كثيرة وصلت فى بعضها إلى مدى غير متوقع، فى الوقت الذى تجمد الموقف الصينى والروسى داخل مربع ضيق للغاية. حتى بات ما تشكل من الدولتين فيما يمس مجمل المشهد الفلسطينى، أقل كثيرا مما كان يتوقع منهما استثماره، حال رغبتهما فى تقديم إجابة شافية تتعلق بمدى التغير الدولى. الصين طوال سبعة أشهر عمر الأزمة لم تقدم شيئا يذكر، يمكن وصفه معبرا عن دور دولى جديد، أو صياغة لمقاربة متفردة تعكس وزنها الذى تروج له مؤخرا، وبدت بكين على نفس ثوابتها القديمة التى تنحاز للكمون الاستراتيجى مادام أن الأمر لا يمس مصالحها المباشرة، كما حرصت ألا تتدخل فى ملف له رعاته التقليديون خاصة مع حضور الولايات المتحدة فى صدارته. الثابت أيضا أنه بعد انكشاف الأدوار المؤثرة لإيران فى مشهد الحرب على غزة، ومع تنامى أخطر تلك التداعيات ما يتعلق بميليشيات الحوثى والبحر الأحمر وتهديد وتعويق حركة الملاحة الدولية، ورغم أن الصين تعد أكبر المتضررين من ذلك، لم تتقدم خطوة واحدة للعب أى أدوار مؤثرة يمكنها أن تحتوى الأزمة استثمارا لعلاقاتها مع إيران، وبدت المعادلة الصينية أنها ارتضت تحمل الخسائر الاقتصادية وتخلت عن فرصة المقاربة مع مجمل المشهد بتفريعاته، عن أن تؤكد جدارتها للانخراط فى أهم وأخطر قضايا المنطقة. بالمثل كانت روسيا التى سجلت لها أدوار سابقة ليست فعالة بالقدر الكافى، لكنها ظلت لعقود حريصة عليها ولو شكليا على الأقل، هذه المرة جاء انكفاؤها فى الحرب الأوكرانية وانشغالها بانتخابات الرئاسة طاغيا على قدرتها فى تشكيل استجابة مؤثرة فيما يجرى.

يبقى الجانب الأوروبى، وهو المكون الدولى الذى شهد أكبر قدر من التغيير فى مواقفه التى انطلقت من انحيازها التقليدى الكامل لإسرائيل بداية الأزمة، إلا أن سرعان ما بدت كثير من دول الاتحاد أكثر تحررا واستقلالية، فى الوقوف على الحقائق ومتابعة التطورات، كى تتمكن من صياغة مقاربات أكثر موضوعية تتجاوب مع تعقيدات المشهد الميدانى والإنسانى. بالتأكيد هناك فوارق ما بين دول الاتحاد، ومستويات متفاوتة فى تشكل مواقف وفاعلية الدول الرئيسية بالأخص، لكن المشترك هو تنامى تأثير الرأى العام الذى بات يضغط على السياسيين بصورة ملحوظة، من أجل الانحياز لموقف أكثر دعما للحق الفلسطينى وفضحا للسقوط السياسى والأخلاقى لإسرائيل. ومن هنا كانت تصريحات قادة الاتحاد الأوروبى وممثلى شئونه الخارجية، بمثابة أول اختراق دولى حقيقى ملموس يتحدث بلغة جديدة تطرح لأول مرة فى تاريخ الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، حتى بريطانيا اضطر رئيس وزرائها كى يهدئ ما يتعرض له ويعد أول سياسى يلوح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ردا على التعنت الإسرائيلى فى استخدام القوة المفرطة، ورفضها الانصياع لدعوات وقف إطلاق النار والبدء فى المسار السياسى. الزلزال الحقيقى والمتغير الأهم، تمثل فى اعلان ثلاث دول أوروبية مهمة هى إسبانيا والنرويج وأيرلندا نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية، الخطوة مازالت فى مرحلتها الرمزية وتأثيرها قد يبدو ضئيلا فى مسار الأحداث على الأرض. لكن دون شك هى خطوة تعبر عن أكبر اختراق فى تاريخ علاقة أوروبا بإسرائيل وبالقضية الفلسطينية، وفى حال إضافة عرض حكومات أوروبية لدعم لا لبس فيه للمحكمة الجنائية الدولية، فى إصدار أوامر اعتقال بحق نيتانياهو ويوآف جالانت نكون أمام تحول كبير يعتد به بالتأكيد. جيك سوليفان مستشار الأمن القومى الأمريكى، وصف تلك المتغيرات بعد ساعات بقوله: «إن الأصوات التى كانت فى السابق تدعم إسرائيل، تنجرف الآن فى اتجاه آخر». قبل هذا الحديث بدقائق كان وزير الخارجية الفرنسى، يعلق بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس من المحرمات بالنسبة لفرنسا، لكن ربما اللحظة المناسبة لم تحن بعد.

هذا الاعتراف سيتنامى داخل أوروبا بالتأكيد، وهو فى جوهره يقطع الطريق أمام إسرائيل لأن تضع فيتو من جانبها مستقبلا على قيام دولة فلسطينية. الإدارة الأمريكية من جانبها تقوم الآن بالتفاوض مع الأوروبيين من أجل أن يعودوا لإدارة المعابر، وهى خطوة أخرى بالغة الأهمية وإفساح للعب دور أوروبى فعال فى قضية شديدة الحساسية، فهل حان الوقت للحظة أوروبية جديدة على صعيد أعقد قضايا المنطقة؟.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: