رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الحديث المبكر عن السلام الفلسطينى «2»

استكمالا لما عرضناه، من رؤية أطلق عليها الدبلوماسى الأمريكى السابق «دينيس روس» عنوان الطريق إلى السلام فى غزة، وقد ألحقها روس بعنوان فرعى دال أنها خطة مفاوض مخضرم. باعتباره شغل وبتكليف من الإدارة الأمريكية خلال حكم الرئيسين بوش الابن وكلينتون، قيادة دفة عملية السلام كمبعوث خاص لها، قبل أن يشغل بعدها لعامين منصب المساعد الخاص للرئيس أوباما والمدير الأول للمنطقة الوسطى فى «مجلس الأمن القومى»، ثم منصب مستشار خاص لوزيرة الخارجية هيلارى كلينتون لمدة عام. هذا يكسب بالضرورة ما يطرحه روس الأهمية التى تجعل الوقوف عنده مفيدا، كونه معبرا عن كيفية طبخ الأفكار فى الدولة التى مازالت حتى الآن، الوحيدة القادرة على تمرير هذا النوع من التسويات على الجانب الإسرائيلى واكتساب مؤيدين بداخلها لمثل تلك الاطروحات.

الخطة التى وضعها روس؛ بحثا عما سماه طريقا للسلام فى غزة، تقوم على جسرين يراهما حاكمين بصورة أو أخرى، من أجل الوصول الآمن لهذا الطريق المراوغ الذى شكل معضلة حقيقية منذ مغادرة إسرائيل للقطاع فى 2005. الجسر الأول يختص بالانتقال من الوضع الحالى إلى مرحلة «اليوم التالى»، وقد فصلنا وفق رؤية روس فيما سيلزمه عبور هذا الجسر. لكن الأهم من وجهة نظرنا أنه جعل الجسر الثانى، يختص بمعالجة قضية «الدولة الفلسطينية» بما يلبى الاحتياجات العربية، وبحسب تعبيره يعزز شعور إسرائيل بالأمن بدلا من تقليصه. لهذا اعتبر روس أنه من الضرورى أن يتم منع ضم «حماس»، كجزء من بناء هذا الجسر الثانى، كونه سيفضى إلى طريق تتوافر فيه مقومات البقاء لـ«الدولة الفلسطينية»، ومن ثم يجلب القوى الخليجية إلى الطاولة، دون إثارة مخاوف إسرائيل بشأن الشكل الذى قد تبدو عليه تلك الدولة المتخيلة. يطرح دينيس روس سؤالا مهما؛ مع بداية حديثه عن الجسر الثانى، يتعلق بجدارة الاعتراف بالدولة الفلسطينية قبل ترسيم حدودها، وهل سيساعد ذلك على توفير هذا الجسر، فى ظل حديث وزارة الخارجية الأمريكية عن هذا الأمر، وكذلك جدية تناول ديفيد كاميرون وزير الخارجية البريطانى اتخاذ مثل هذه الخطوة. وهنا يستدعى دينيس روس واقعة تاريخية كان شريكا فيها، كدرس مستفاد لما يمكن أن تؤول إليه الأمور، ففى نهاية قمة «كامب ديفيد» صيف عام 2000، كان روس يحاول إنقاذ تعثرها ما دفعه للاقتراح على «إيهود باراك» رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، أن يعترفوا بالدولة الفلسطينية مع الاشتراط بأن يجرى التفاوض على خصائصها (السيادة/ الحدود) فى وقت لاحق. لكن باراك رفض الفكرة بحجة أن الفلسطينيين حتما سيتبنون مواقف متطرفة، وأن المجتمع الدولى سينجر بدوره إلى الموقف الافتراضى المتمثل بقبول العودة إلى خطوط الرابع من يونيو 1967، والذى من شأنه تعريض إسرائيل لخطر استراتيجى كبير. خاصة أنه لم يكن قد تبلورت بعد، إجراءات التعامل مع الكتل الاستيطانية فى الضفة الغربية. ويرى دينيس روس أن مخاوف باراك مشروعة، فإذا رأت واشنطن أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمكن أن يشكل جسرا إلى مستقبل أفضل، بحيث يظهر للفلسطينيين أن تطلعاتهم الوطنية ستتم معالجتها بجدية، يجب فى ذات الوقت أن يقترن هذا الاعتراف بمعالجة المخاوف الإسرائيلية.

لكن روس المخضرم فى مثل تلك الجولات المعقدة من التفاوض، لا يرى أن معالجة تلك المشكلة المزمنة شاقة كما تبدو، لأنه وفق ما يطرحه الآن فى ورقته الحديثة أو خطة الطريق يجب أن تكون مؤهلات الدولة الفلسطينية أو شروط قيامها، واضحة على النحو التالى: لا يجوز أن يقود الدولة الفلسطينية أولئك الذين يرفضون وجود إسرائيل، وواقع حل الدولتين. كما يجب أن تكون خصائصها السيادية متسقة مع الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، التى تتطلب ان تكون الدولة منزوعة السلاح على الأقل، وألا يسمح لها بتشكيل تحالفات مع الجهات المعادية لإسرائيل. ويتعين على الدولة الفلسطينية الوليدة أن يتقبل قادتها شرعية إسرائيل (ليس مجرد وجودها الفعلى)، كوسيلة لتقويض مصداقية أولئك الذين يستمرون فى رفض إسرائيل وفى تنفيذ الأعمال الإرهابية ضدها. ولا يجوز لها أن تستمر فى التحريض على العنف ونشر الكراهية ضد إسرائيل، وهو الأمر الذى كثيرا ما انطبق للأسف على «السلطة الفلسطينية» حتى الآن. وترى خطة روس أنه أخيرا، تحتاج الدولة الفلسطينية إلى مؤسسات ذات مصداقية تتحلى بحوكمة متينة لضمان ألا تكون دولة فاشلة، وبحيث تكون قادرة على إدانة أفعال «حماس» وأعمالها الإرهابية بشكل صريح، وإلا قد يفسر عدم قيامها بهذا الدور على أنه دعم لتلك الأعمال. وفى منحى متوازن لتلك الخطة؛ أو بالأدق لتمتين هذا الجسر الثانى المتعلق بالدولة الفلسطينية، يذكر دينيس روس أنه لا يجوز إلقاء عبء خطة العمل حصريا على عاتق الفلسطينيين. بل يتعين على إسرائيل بدورها الاعتراف بالتطلعات الوطنية الفلسطينية وقبول الدولة الفلسطينية، مع توافر الضمانات الصحيحة لذلك، وان كان فى ظل المناخ الحالى سيتطلب ذلك بعض الإقناع. لكن من المهم من أجل بناء مناخ يؤسس لحالة ثقة متبادلة؛ يتعين على إسرائيل وقف النشاط الاستيطانى خارج الكتل القائمة أساسا، بما أن هذا النشاط يهدف فى الأساس إلى منع قيام دولة فلسطينية، كما عليها اتخاذ إجراءات صارمة بحق المستوطنين المتطرفين الذين يهددون الفلسطينيين ويحرمونهم من الأمن. وبالنظر لتلك النقطة الأخيرة لا يبدو على دينيس روس اقتناعه بأن الحكومة الحالية، التى تضم وزراء على شاكلة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بقادرة على اتخاذ مثل هذه الخطوات، وقد ذكرهما روس بالاسم ليس لشخصهما إنما لما يمثلانه من تيار قادر على إجهاض مثل تلك الأفكار والرؤى الأقرب للتلامس مع واقع المشهد الراهن.

يرى دينيس روس أنه لن يكون سهلا بناء أى من هذين الجسرين، لكنه يستند إلى أن كارثة السابع من أكتوبر وما أعقبها، تفرض ضرورة تأمين مستقبل مختلف كليا للإسرائيليين والفلسطينيين على حد السواء، لأنه وفق ما يراه العودة لإبقاء الوضع كما كان عليه قبل هذا التاريخ، هو حكم بات باستدامة النزاع.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: