رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

«قمة البحرين» والأمن القومى العربى

لم تكن الأمة العربية فى حاجة إلى قمة على مستوى القادة، أكثر من تلك التى استضافتها البحرين، أمس، للمرة الأولى فى تاريخها فى دورتها العادية رقم 33، فى توقيت دقيق، وظروف عصيبة تمر بها المنطقة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وأحوال إقليمية غاية فى التعقيد فى ظل المنعطف الخطير الذى تمر به القضية الفلسطينية، جوهر الصراع فى الشرق الأوسط، ومحور التزام الأمة العربية واهتمامها الأول.

ونجاح قمة البحرين، وما تضمنه «إعلان البحرين» من قرارات، كان ضرورة فرضتها الأحداث الجسام، والتهديدات الكبيرة التى تماثل، من حيث خطورتها، نكبة 1948.

وليس هناك من دليل دامغ على أهمية هذه القمة، أكثر من نص الدعوة الرسمية للقمة التى خاطب بها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البحرين الزعماء العرب، التى جاء فيها: «مشاركتكم الشخصية فى أعمال هذه القمة المهمة، سيكون لها بالغ الأثر والأهمية فى ظل الظروف الصعبة، والتحديات الجسيمة التى يواجهها وطننا العربى فى الوقت الحاضر».

ركزت «قمة البحرين» العربية على مواجهة التحديات المصيرية التى تشهدها المنطقة، وسارت قراراتها فى اتجاه تعزيز التضامن العربي، ودعم جهود إحلال السلام والأمن والاستقرار فى إقليم تحيط به نيران الصراع من كل الاتجاهات.


وجاءت القمة فى هذه الدورة المهمة على مستوى ما تشهده المنطقة، من محاولات قوى دولية وإقليمية فرض مشروعاتها، وتغليب مصالحها، ضاربة عرض الحائط بتطلعات الشعوب العربية وهويتها، ومصالح الأمة، وما يتعرض له الأمن القومى العربى من خطورة لا تخفى على صانعى القرار، كما حضرت بقوة «حرب الإبادة» التى يشنها جيش الاحتلال على الشعب الفلسطيني، منذ السابع من أكتوبر الماضي، دون هوادة أو سماع لصوت العقل، أو استجابة لحالة الغليان الشعبى على مستوى العالم، وناقشت القمة وسائل وقف الحرب، وتوفير المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى ترتيبات ما بعد الحرب، وآليات إعادة إعمار غزة، والتكاليف والتمويل والتنفيذ، مع ترتيبات الأمن فى مواجهة المخطط الإسرائيلي، وشدد الزعماء العرب على إقامة دولة فلسطينية على الأراضى المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

واستعرض القادة العرب، كيفية إعادة صياغة العمل العربى المشترك، ودعم التعاون الاقتصادى فى كل المجالات، والتنسيق فى القضايا المختلفة؛ من منطلق أن الترابط خيار إستراتيجى لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

ولأن العملية العسكرية فى رفح الفلسطينية تمس الأمن القومى العربي، فقد حرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على التنسيق مع الأشقاء العرب وتوحيد الصف والمواقف، إزاء كل القضايا، وعلى رأسها حرب الإبادة التى يشنها جيش الاحتلال على المدنيين الأبرياء فى غزة.

وأكد الرئيس السيسى، فى كلمته أمام القمة، أن مصر ستظل على موقفها الثابت، فعلا وقولا، برفض تصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين أو نزوحهم قسريا، أو من خلال خلق الظروف التى تجعل الحياة فى غزة مستحيلة، بهدف إخلاء أرض فلسطين من شعبها.

وعرضت مصر فى «قمة البحرين»، كل جهود حقن دماء الفلسطينيين، فى ظل استمرار آلة الحرب الإسرائيلية فى حصد الأرواح، وإسالة الدماء، دون أى وازع إنساني، حتى وصلت الأمور إلى حد المأساة، بعد بدء عملية عسكرية لجيش الاحتلال فى رفح الفلسطينية، والتى أعلنت مصر رفضها القاطع لها، وحذرت من خطورتها، والتى تعد كارثة إنسانية ينبغى أن يتحرك العالم سريعا فى اتجاه وقفها.

وبقيت الثوابت المصرية بوضوحها، محل اتفاق الجميع، والتى تقوم على حل الدولتين، كطريق وحيد لوقف الفوضى التى أحدثتها العمليات العسكرية وبارود الحرب ودخانها وغبارها، الذى كتم على أنفاس الجميع؛ فخرجت الشعوب، تطالب بوقف حرب ستظل آثارها سنوات، ولن تجف دماؤها بسهولة.

وشهد الملف الاقتصادى والاجتماعي، العديد من المشروعات، وخطط التعامل مع آثار عدوان الاحتلال على غزة، واستكمال متطلبات منطقة التجارة العربية الحرة، وإقامة الاتحاد العربى الجمركي، والإستراتيجية العربية للشباب والسلام والأمن، والتعاون العربى فى مجال التكنولوجيا المالية والابتكار والتحول الرقمي.

وأظهرت «قمة البحرين»، كيف يسفر العمل العربى المشترك عن حل الأزمات مهما كبرت واستفحلت وتشابكت، والذى تبدت بشائره، قبل أيام، بتصويت أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على حق فلسطين فى «العضوية الكاملة» بالمنظمة الدولية، بعد أن عرفت دول العالم أن الدولة الفلسطينية هى الحل السياسى لإنهاء الصراع.

كما حضرت الأوضاع فى السودان وليبيا واليمن والعراق وسوريا، فى مناقشات الملوك والرؤساء، لما لكل هذه القضايا من تأثير مباشر على الأمن القومى العربي، مع قضايا أخرى على رأسها الأمن المائى المصرى والسودانى، والتدخلات الإقليمية فى المنطقة.

وأكاد أجزم، أن «القمة العربية»، وما صدر عنها من قرارات، وما تم استخدامه فيها من مصطلحات سياسية، لأول مرة، مختلفة، وحاسمة، وجادة كل الجدية، وشهدت توافقا غير مسبوق، حتى فى الأمور التى تباينت فيها وجهات النظر، وما هذا إلا استشعارا لخطورة التحديات التى تمر بها الأمة، وما تستدعيه من وقفة حازمة قبل أن تتوتر الأمور أكثر فى الإقليم المشتعل فى العديد من أركانه.

إن ما أحدثته حرب الإبادة، التى طالت أكثر من سبعة أشهر، من دمار، وما خلفته من أضرار، وما أحدثته من شروخ، يستدعى وقوع الاحتلال الإسرائيلى الغاشم تحت طائلة «ميثاق الأمم المتحدة»، وفرض عقوبات عليه؛ احتلال يغمض عينيه، ويصم آذانه عن كل النداءات الدولية والشعبية، لوقف إبادة الشعب الفلسطيني، وحصاره وحرمانه من أبسط حقوقه؛ فمنع دخول المساعدات التى بذلت مصر جهودا مضنية لإنفاذها من معبر رفح، فى جريمة لن يتفرج عليها العالم كثيرا، بعد أن ألقت «قمة البحرين» بحجر فى الماء الراكد، بالضغط على المجتمع الدولى للوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وجعله يشعر بالخجل؛ لأنه يقف إلى جانب المعتدي، بل ويمده بالسلاح، ويصفق له مع كل جريمة وحشية.

وباختصار شديد.. اتخذ الزعماء العرب قرارات موحدة، تجاه جملة القضايا الخطيرة، التى جعلت هذه القمة التاريخية محورية، إضافة إلى دورها فى تعميق أواصر التعاون فى وقت اشتد فيه الخطر. وكما قال الرئيس السيسى فإن مصر التى أضاءت شعلة السلام فى المنطقة، عندما كان الظلام حالكا، وتحملت فى سبيل ذلك أثماناً غالية لا تزال، برغم الصورة القاتمة حاليا، متمسكة بالأمل، فى غلبة أصوات العقل والعدل والحق؛ لإنقاذ المنطقة من الغرق فى بحار لا تنتهي، من الحروب والدماء.

***

نجاح القمة العربية، وما تضمنه «إعلان البحرين» من قرارات، كان ضرورة فرضتها الأحداث الجسام والتهديدات الكبيرة التى تماثل، من حيث خطورتها، نكبة 1948.

[email protected]
لمزيد من مقالات مـاجــــد منير يكتب من المنامة

رابط دائم: