رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الطبقة الوسطى..الحدود والجيوب

هل هناك حدود واضحة للطبقة من أسفل ومن أعلى؟ وهل يمكن أن نصادف فى داخلها جيوباً غريبة، كتلك التى نصادفها فى المدينة المصرية عندما نتنقل داخل أحيائها المختلفة؟ سوف أجتهد فى هذا المقال للإجابة على هذين السؤالين. من المعروف أننا لا يمكن أن نحدد حدوداً صارمة لتشكيل طبقى معين، فهذه الحدود دائماً ما تكون مفتوحة، لأشكال من التفاعل والحراك إلى أعلى أو أسفل. والحقيقة أن الطبقة الوسطى المصرية قد اتسعت، وتعددت فيها الشرائح وأساليب الحياة إلى درجة يمكن معها أن نفترض أن الحدود داخل الطبقة لم تعد تقتصر على الحد الأدنى والحد الأعلى، وإنما تعددت الحدود بتعدد الشرائح. ونفترض أيضاً أن هذه الحدود تزداد وضوحاً وحدة مع الصعود إلى أعلى فى السلم الطبقى إلى أن تصير فى النهاية مغلقة أو شبه مغلقة. دعونا نفصل الأمر فى هذا الحديث.

عند الحدود الدنيا للطبقة نجد تداخلاً كبيراً بين من ينتمون إلى الطبقة الوسطى ومن ينتمون إلى شرائح مختلفة من أدنى السلم الطبقي. وتدلنا مشاهدات كثيرة على ذلك. فعندما يحصل شخص من أبناء الطبقة العاملة أو فقراء الحضر أو الريف على درجة جامعية فإنه ينتقل بأسرته الجديدة خطوة عابراً حدود طبقته إلى الطبقة الأعلى الوسطى، ولكنه يظل يتشابك مع طبقته المرجعية القديمة ويتفاعل معها ويمارس طقوسها. ويمكث مثل هذا الشخص فترة طويلة على حدود الطبقة يضع رجلاً هنا وأخرى هناك إلا إذا جذبته عوامل أخرى إلى أعلى كالزواج أو الارتقاء فى السلم المهني. وقد نضرب مثالاً بمشاهدة أخرى لشخص من الفئات الدنيا اتيحت له فرصة السفر إلى الخارج فكون ثروة ما، ثم بدأ ينخرط فى أعمال تجارية لها صلة بالطبقة الوسطى، الأمر الذى يدخله إلى حدود الطبقة. وبعض أمثال هذا الشخص قد تصعد وتدخل فى آتون الطبقة لو توسع فى النشاط أو دخل فى شراكة أوسع، ولكن جلهم يظلون قابعين عند الحدود الدنيا. وأكاد أجادل هنا بأن الحدود الدنيا للطبقة الوسطى تزخر بأعداد كبيرة من هؤلاء، وهم يتفاعلون بقدر كبير من التكيف والامتثال للأمر الواقع (وإن كان القليل منهم يحاول أن ينسى أصوله الطبقية ويتباعد عنها قاصداً). ونجد أن الحراك إلى أعلى هنا يتسم بالبطء، حيث يظل الصاعدون إلى أعلى فى أماكنهم لمدة أطول، وحيث يكون الاختلاط والتعايش على حدود الطبقة مريحاً ومطلوباً من الناحية الثقافية. ثمة كتلة عريضة هنا تمتد إلى أسفل بعلاقات وثيقة، وتتطلع إلى أعلى بشغف. ويلعب الصاعدون إلى أعلى دوراً كبيراً فى نقل بعض أساليب السلوك، وبعض العادات، وحتى بعض التطلعات إلى الفئات الأدنى التى قدموا منها، كما يلعبون دوراً كبيراً فى مساعدتهم على الولوج إلى العالم الرسمى الغامض والبعيد بالنسبة إليهم، أعنى هنا التعامل مع المؤسسات الرسمية وتسهيل الحصول على الخدمات منها.

وكلما صعدنا إلى أعلى فى السلم الطبقى تظهر حدود جديدة. دعونا نقف عند منتصف الطبقة فنجد الحد الذى نطلق عليه الحد المهني، وهو الذى يميز الاختلاف بين الجماعات المهنية المتخصصة والمتميزة فى دخولها وربما تعليمها، وبين الجماعات المختلفة عنها، والتى تقف فى موضع طبقى أقل، وهذا الحد يكون مفتوحاً لأشكال مستمرة من الحراك وفق الحصافة المهنية. فكل من يمتلك زاداً مهنياً يمكن العبور إلى أعلى، ولكن العبور لا يعنى أنه سوف يجول فى كل العالم المهني. فهذا العالم يعرف تعددية فى حدوده الداخلية، التى تتراكب وتتراتب حسب الأهمية السياسية أو الاجتماعية للمهنة أو ما تدره من دخل. ثمة حدود هنا بين مهن السلطة (القضاء والبوليس مثلاً)، ومهن الثروة (الأطباء والصيادلة والمهندسين) ومهن الخدمة (المدرسون والمحاسبون والاخصائيون النفسيون والاجتماعيون). وتكون لكل جماعة من هذه الجماعات تصورات ذاتية عن نفسها، تدور حول أهمية المهنة ودورها فى الحياة. وتشكل كل جماعة من هذه الجماعات وسطها الثقافى والاجتماعى الخاص، الذى يتدعم من خلال الانتماء إلى تنظيمات مدنية خاصة كالنوادى العامة أو المرتبطة بأصحاب مهنة بعينها. وتبقى عيون هذه الجماعات مفتوحة إلى أعلى ساعية نحو الحدود العليا لهذه الفئات الوسطى داخل الطبقة. ولاشك أن هذه الحدود العليا أكثر انغلاقاً من الحدود الدنيا، فلا يمكن عبورها بسهولة. فهذه الحدود لا تعترف بالمهنة، ولا تعترف بالثروة فى حد ذاتها، بل تعترف – فوق كل هذا – بأساليب الحياة المفضلة داخل الشريحة العليا من الطبقة. وطبيعة العلاقات الشخصية والأسرية، وأنماط العمران ومكانه وأساليب الترفيه المفضلة. تبقى هذه الشريحة قليلة العدد، محافظة على حدودها الدنيا، أما حدودها العليا فهى غير معروفة، لأنها مفتوحة على هواء لا بشر فيه إلا هذه الدنيا الكبيرة للعالم وما يتاح فيه من إمكانيات.

ومع تعدد هذه الحدود داخل تشكيل الطبقة، تتعدد الجيوب، وأقصد بالجيوب، التشكيلات المخالفة داخل كل شريحة، والتى تبدو غريبة. من أهم هذه الجيوب، الجيوب المتشكلة من الريف ومن الطبقات الدنيا والتى تحتل شوارع الطبقة الوسطى، وتعمل فى خدمتها، ولكنها تشكل نظاماً للعيش المجاور للطبقة، بما يحمله من حمل لطموحاتها والعمل على تقليد سلوكياتها حتى فى الأجيال الأحدث. ومنها أيضاً الجيوب التى تتشكل على أسس ثقافية كالجماعات السلفية -سواء تقاربت فى العيش أو تباعدت – التى تميز نفسها بأساليب عيش وأساليب حياة وتجسيدات جسمانية مختلفة. ومنها جماعات من المثقفين لهم أساليبهم الحياتية الخاصة، التى تستبدل بالنهار الليل، والتى تتجمع فى أماكن بعينها لا يعرفها غيرهم، ومنها خدم المنازل الذين يتكيفون مع مخدوميهم ويتماهون مع ثقافتهم.

ثمة نتيجتان هامتان نستطيع أن نستخلصها من الحديث السابق، الأولى تؤكد ما أشرنا إليه فى المقال السابق من أن مزيداً من عمق النظر داخل الطبقة يكشف عن قدر كبير من التعددية والتحصن داخل الحدود، ومن ثم الهويات المختلفة. والثانية، أن الطبقة الوسطى لا تعيش وحدها، وإنما هى تتكيف بعمق مع من تحتها، وتحتفظ معهم بعلاقات وأشكال من التبادل لا يمكن نكرانها، كما أنها تؤوى داخلها جيوباً بعضها ينسلخ من جلد الطبقة نفسها، وبعضها يرد إليها من الخارج، وفى الحالتين فإنها لا تمل من تطوير أساليب للتكيف المستمر مع أساليب الحياة المتغيرة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: