رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الفقى وخمسة عقود من الإبداع فى الأهرام

عندما زارنى العام الماضى فى مكتبى بالطابق الخامس فى المبنى الرئيسى لمؤسسة الأهرام، بادرنى بالقول إنه يشعر بالارتياح والرضا الكاملين، بعد ان حقق حلمه منذ اليوم الأول لدخول هذا المبنى العتيق الفريد فى نهاية الستينيات، الذى بهره وأصابه بالغبطة الشديدة لروعة المكان وتفرده الجمالى والإبداعى فى مصر، بأن يكون جزءا من هذا العملاق الصحفى فى الإقليم والعالم وهو «الأهرام»، حيث قرر واختار طريقه بين الأهراميين، فاختار الكتابة عبر صفحات الرأي، ليبحر أسبوعيا فى مسارات الحياة فى مصر والإقليم، وقضايا العالم، عبر أطروحات فريدة فى شتى المجالات، من فنون السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والأدب، وكل تفاصيل الهم اليومى للمثقف والمواطن المصرى والعربي، حتى امتد به الأمر على صفحات «الأهرام» لأكثر من خمسين عاما حتى الآن، ولم لا وهو الكاتب الموسوعي، صاحب ديناميات الثقافة الرفيعة وأدبيات الفكر الراقي، وتراكم الخبرات ومحطات الحياة الفريدة بطول الأرض ومشاربها، حيث كان الدكتور مصطفى الفقى الدبلوماسى والمثقف والمفكر القومى صاحب تجربة فى فنون الحياة، بدأت مبكّرا فى العمل العام، والحقل الثقافي، لا يضاهيه احد فى لغة الخطابة والارتجال البديع، وصاغ دون دراية أو تخطيط قاعدة الحركة حياة والصمت موت، حتى ملأ الدنيا وشغل الناس بديناميكيته وحيويته، وآرائه التى حركت كثيرا من المياه أسفل جسور عدة خاصة فى الأعوام الثلاثين الماضية وصولا إلى ٣٠ يونيو، وبداية عصر الاستقرار.

سأكون صريحا وأعترف بأننى بعد أكثر من ٣٥ عاما، من العلاقة الوطيدة وصداقة العمل، منذ كنت مراسلا صحفيا لـ«الأهرام» بوزارة الخارجية لقرابة عقدين، بادرت بالاقتراح على الدكتور مصطفى الفقى خلال هذا اللقاء، بعد ان ابلغنى انه بدأ الكتابة المنتظمة أسبوعيا فى «الأهرام» منذ عام ١٩٧٥، بضرورة الإسراع بإعداد وتحضير تلك اللآلئ والكنوز الفكرية الثقافية، من كتاباته الصحفية فى عدة كتب، خاصة ان كل تلك الأعمال محفوظة فى أرشيف الأهرام بالكامل (الميكروفيلم )، وبالتالى إصدار هذه الأعمال يحتاج التفرغ منه لعدة أسابيع لقراءة وإعداد وترتيب تلك المقالات، بعد استحضارها وفهرستها بشكل متتابع تاريخيا، وبالفعل قرر د. الفقى استنفار كل جهده وطاقاته على مدى عدة أشهر متواصلة، حتى استطاع إنجاز هذه المجلدات الثلاثة، التى تحتوى على كامل كتاباته بالأهرام منذ عام ١٩٧٨ حتى نهاية ٢٠٢٣، واستطاع مركز الأهرام للنشر والترجمة طباعتها بشكل أنيق، وطبعات فاخرة لتكون عبر توزيع الأهرام بين يدى القارئ المصرى والعربى فى الشهرين الماضيين، لتشكل أكبر وأرفع قيمة فكرية ومرجعية سياسية وثقافية للمكتبة العربية، خاصة بما تتناوله مع الإعجاز فى الطرح والتداول لقضايا ملحة وضرورية وأفكار وآراء، وتوقيت أوانها الملح منذ عصر الرئيس السادات ومفاجآته بما فيها من إطلالات على عصر سبقه للرئيس عبد الناصر بما له وما عليه، بما انه صاحب تجربة فى الاتحاد الاشتراكى وأخواته من قبل، وكذلك الكتابة باستفاضة وأريَحَيَة فى عصر مبارك، والحديث بإعجاز وخبرة العارف والمطلع عن سنوات الفرص الضائعة ، التى كان يراها د.الفقى تتسرب من بين أيادى الوطن، ثم ينخر فى أحداث ثورة يناير، وما تبعها من سيولة سياسية وحياتية غيرت وجه الحياة فى مصر لمدة عامين بما فيهما عام جماعة الإخوان، ولغة الصراحة التى كان يخاطبهم بها وتحذيراته الغاضبة من أسلوب الحكم والنهج المتبع وقتذاك، ثم كانت تجليات الرجل فى الطرح والتناول ورسم خريطة الأمن والسلامة وانتهاج طريق الإصلاح والبناء واستعادة الدور والمكانة للدولة المصرية بعد ثورة ٣٠ يونيو، وتوقعاته الناجحة ونبوءاته الصائبة لعودة عصر البزوغ للدولة المصرية بين دول الإقليم، مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الأمور فى مصر منذ 2٠١٤، وما يسطر على ارض مصر يوميا من ملاحم ونجاحات تعانق السماء.

لا مبالغة فى القول إن كتابات د. مصطفى الفقى، التى طالعت أغلبيتها حتى الآن، والتى تقدر بعشرات المئات فى المجلدات الثلاثة، لسنوات تتجاوز خمسة عقود وأكثر من الإبداع الفكرى والثقافى فى «الأهرام»، هى كنز معرفى ثمين، خاصة هذا الكم من التنوع والتعدد فى القضايا والتناول، للأزمات والمشكلات والتحديات التى ألمت بالوطن سنوات طويلة، فالرجل لم يترك قضية شاردة أو واردة مرت على مصر طيلة كل هذه العقود، إلا وتناولها بالطرح والكتابة والتحليل وإبداء الرأي، واقتراح الحلول، خاصة عندما يأتى الطرح من صاحب عقلية مقتدرة واستثنائية مثل د.الفقي، عبر كتابات عبقرية متفردة فى الأسلوب والعمق، ونحت العبارات والتوصيفات الأخاذة التى تسكن العقل، وتموج بالقلوب بفعل أساليب الكتابة وطرائق التفكير فيها، ولعل هذا التنوع والثقافة والفكر الموسوعى للرجل هو الذى أكسبه التفرد، حتى بات ينطبق عليه القول إن لكل كاتب أسلوبا، والأسلوب هو ذاك الرجل، فتحية لكل سطر فيما كتبه واحتراما لكل لمحة سجلها على صفحات «الأهرام» عبر عقود مديدة، تقديرا لهذا الثراء الفكرى فى عديد الكتابات والمقالات التى تناولت كل قضايا الحياة المعاصرة، حتى بات بحق مؤرِّخا حيا وديوان حياة لكل شواغل المصريين خلال خمسة عقود بالكتابة وصفوة الكلام والحضور الطاغى فى كل جنبات الحياة المصرية.


لمزيد من مقالات أشرف العشرى

رابط دائم: