رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الطبقة الوسطى..تقاطعات الاقتصاد والثقافة

ثمة سؤال إشكالى كبير يعانق أى مناقشات تتصل بالطبقة الوسطى، وهو سؤال يرتبط بتقاطعات الاقتصاد والثقافة فى تناول قضايا الطبقة. وأحسب أن مثل هذا السؤال يكون له دلالة أعمق فى مجتمعاتنا العربية التى لم تؤد فيها عمليات التحديث إلى إحداث قطيعة مع صنوف من الثقافات التقليدية التى لاتزال تسكن عقول قطاعات كبيرة من السكان.

وعندما نبدأ فى مشاكلة هذا السؤال فإننا نجد أن معظم المقاربات فى تعريف الطبقة تعتمد على معايير اقتصادية، مثل ملكية الثروة أو العلاقة بالسوق (القدرة الشرائية)، وعند إدخال متغيرات أخرى مثل التعليم وأساليب الحياة فإنها تكون دائما ملازمة لمتغير الدخل، بل إن أسلوب الحياة نفسه يعكس الكثير من الجوانب المادية. وإذا كان الأمر كذلك فما هى المشكلة إذن. إننا عندما نلج إلى عالم الثقافة نجد أن المسألة أعقد من ذلك. فالمستويات الثقافية التى تتبدى فى التعليم وأساليب الحياة، أو حتى فى معايير الهيبة والاحترام التى ينظر بها أعضاء المجتمع إلى أنفسهم وإلى الآخرين. كل ذلك يؤثر على الطريقة التى يصنف الناس بها بعضهم البعض. ولكن ذلك لم يجعل علماء العلوم الاجتماعية يتخلون عن فهمهم الاقتصادى للطبقة، ولكنه دفعهم إلى تطوير مفاهيم أخرى من أهمها مفهوم المكانة status ومفهوم القوة power. ولقد أصبحت حوارية الطبقة، المكانة، القوة، حوارية مشهورة يعرفها المتخصصون فى هذا المجال. فالطبقة مفهوم موضوعى يتحدد فى ضوء العلاقة بالسوق، أى فى ضوء الثروة، أما المكانة فإنها مفهوم ذاتى يتحدد فى ضوء ما يتمتع به الشخص من رتبه بين الناس، وتنتج القوة (القدرة على التأثير وتغيير المسارات) من أى منهما أو من أى مصدر آخر (مثل السلطة المستمدة من الوضع القانونى).

ولكن مقاربة المكانة والقوة لم تمنع البعض من الحديث عن توازنات اقتصادية وثقافية، بمعنى الحديث عن ثقافة خاصة للطبقة أو للشريحة الاجتماعية تميزها عن غيرها.فثمة وسط ثقافى أو عالم ثقافى للطبقة تستمد منه أسلوب حياتها، وتميز به نفسها عن الآخرين. فالوسط الثقافى للطبقة (الهابيتوس كما يقول بيير بورديو) يمنحها نظرة خاصة إلى حياتها وإلى ما تختلف به عن الآخرين، وغالبا ما يكون لكل منها اعتزاز بهذا الوسط.

ورغم ذلك، فإن هذه المقاربات تظل غير قادرة على فهم الحدود الطبقية وتمايزاتها فى مجتمعاتنا التى تتميز بالتعقيد وعدم الانتظام فى تطورها الحديث. ثمة متغيرات هنا أكثر تعقيدا: تطورات تاريخية غير منتظمة، يناقض بعضها بعضا، هجرات غير منظمة من الريف إلى الحضر، نمو حضرى معقد يخلق مدنا مركبة لا تجانس فيها، قرى تتغير بشكل سريع وتنفض أيديها عن أساليبها الإنتاجية القديمة، تعدد وتشابك كبير بين العمليات الإنتاجية المختلفة (الزراعة – التجارة – الخدمات – الصناعة)، تدفقات هجرة إلى الخارج تعمل على خلق أشكال غير منظمة من التشكيل والحراك الطبقي. كل هذه وغيرها من تطورات أدت إلى خلق ظرف مختلف وعلى درجة عالية من التعقيد، يعمل بدوره على تعقيد تعريفات الطبقات وحدودها، ويخلق تعقيدات خاصة عندما نتحدث عن الأوضاع الثقافية للطبقات أو الشرائح الطبقية. سوف أشير فيما يلى إلى بعض هذه التعقيدات.

نصادف فى الواقع المعايش كثيرا من التشكيلات الاجتماعية فى الريف والحضر على حد سواء من ملاك الثروة، ولكن دون ملكية أرث ثقافى حديث. تتعانق الثروة هنا مع التقاليد، فلا تنتج علاقات واضحة بالسوق، ولكن تنتج أشكالا من اكتناز الثروة المصحوب بقدر كبير من الحفاظ على أساليب الحياة القديمة، مع المبالغة أحيانا فى رموزها (المنازل الكبيرة، والملابس التقليدية الفاخرة، والإسراف فى الطعام). وفى مقابل هذه المبالغة فى إشاعة التقاليد القديمة، نجد على الضفة الأخرى من النهر تشكيلات اجتماعية تمتلك ثروات كبيرة مع المبالغة الشديدة فى بناء رموز ثقافية استهلاكية لا يقدر عليها أحد، بمعنى أنها تخلق لدى الآخرين عجزا وشعورا دائما بالحرمان. لا يتورع هؤلاء من استخدام السيارات الفارهة وصنوف الملابس والأطعمة والأدوية والمشروبات المستوردة من الخارج. يبدو هذا التشكيل الاجتماعى وكأنه يجافى كل ما هو تقليدى، ويميل إلى الشطط والنفور من كل ما هو عادى ومألوف.

وبين هذين التشكيلين (الراق الثقافى الحديث، والراق الثقافى التقليدي)، نجد تشكيلات عديدة لا تتدرج ثقافيا بقدر ما تتداخل، فليس هناك من حدود واضحة لكل جماعة أو تشكيل، كل شىء يتداخل مع كل شىء، بحيث نجد تنويعات من ثقافات مختلفة داخل التشكيل الواحد. ولقد عمقت الهجرة الخارجية هذا التنوع، حيث يميل البعض إلى استعارة نماذج ثقافية فى كل شىء: فى الملبس، وفى العمارة، وفى التكوين الداخلى للمنزل، وفى الطعام والشراب، وحتى فى اللغة. ويؤدى هذا الوضع إلى أن نناقش ما يمكن أن نطلق عليه الجيوب الثقافية التى تتخلل الطبقات. بعض هذه الجيوب يتشكل داخل الشريحة الطبقية نفسها من خلال بعض الأفراد أو الجماعات التى تفضل أساليب ثقافية معينة كأن يميلوا إلى المبالغة فى الرموز الدينية مثلا؛ ويتشكل بعضها الآخر من خلال اختراقات من الطبقات الأخرى عبر شراكات فى التجارة أو عبر الزواج أو عبر أى ظروف أخرى. ومن المعروف أنه كلما تزايدت هذه الجيوب، كلما ازدات حدة التنقاضات، وحدة التباعد الاجتماعي.

وربما تكون كل هذه التناقضات الثقافية هى التى تقف خلف الصعوبة الكبيرة فى إدراك حدود الطبقات، على ما فيها من تداخل. وسوف نكرس الحلقة القادمة من هذه السلسلة من المقالات لمناقشة قضية الحدود الطبقية من حيث التداخل والانفتاح أو الانغلاق. ولكن حسبنا أن نشير فى نهاية هذا المقال إلى أن هذه الفسيفساء الثقافية التى تتخلق عبر التشكيلات الاجتماعية المختلفة، يكون لها تأثير قوى على الهويات. نجد أنفسنا هنا أمام فسيفساء من الهويات المختلفة، التى تفتح الأفق نحو التعاند والتنابذ، ووهن ذات البين، الأمر الذى يكون له تأثير كبير على جوهر التماسك الاجتماعى، والقدرة على الأداء الجمعى، والتطوع من أجل الآخرين.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: