رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

أهداف صيغة الأسقف المنخفضة الإيرانية الإسرائيلية

إسرائيل عشية استهدافها القنصلية الإيرانية بدمشق، بدا وأنها كانت على شفا الوصول لنقطة انسداد شاملة على المستوى السياسى والعسكرى فى حربها على قطاع غزة، بداية من الاصطفاف الدولى الواسع - الذى شمل حلفاء رئيسيين لإسرائيل - الذى وضع خطوطا حمراء، حول المزيد من العمل العسكرى الإسرائيلى داخل القطاع، خاصة ما يتعلق بـ«اجتياح شامل» لمدينة رفح الفلسطينية. على جانب آخر؛ استنفدت إسرائيل كل ذرائع المماطلة بإنجاز هدنة وصفقة تبادل، رغم ارتفاع مستوى التمثيل الأمريكى بمجموعة الوسطاء التى ضمت مصر وقطر، فحضور مدير المخابرات ووزير الخارجية، جعلا مساحة المناورة الإسرائيلية للإفلات من استحقاق إيقاف آلة الحرب محدودة. وأخيرا؛ لم تتمكن إسرائيل من استثمار حصاد عملها العسكرى بالقطاع فى صناعة «صورة انتصار»، وبقيت فقط صور الضحايا المدنيين وحجم الدمار الشامل، وحرب التجويع والمأساة الإنسانية. نذر الشرخ الداخلى فى المجتمع الإسرائيلى، بدورها كانت قد وصلت لمرحلة أقرب للحرجة فيما يتعلق بضغط عائلات الأسرى من أجل إتمام صفقة تبادل، بدا واضحا أن ثمنها الرئيسى سيكون إيقاف الحرب ولو بصورة مؤقتة، وهذا مثل خطا أحمر للأغلبية داخل حكومة نيتانياهو. فضلا عن ذهاب المعارضة وبعض الأصوات الحكومية وأعضاء الكنيست، إلى إلقاء اتهامات لجناح التشدد ولنيتانياهو نفسه بـ«عدم الجدارة» فى مجمل إدارة الأزمة، خاصة إدارة العلاقة مع شركاء إسرائيل الاستراتيجيين كالولايات المتحدة، أو مع دول ذات أهمية استثنائية بالمنطقة لها ارتباط بما يجرى مثل مصر والأردن. تلك النذر الداخلية أقل بالطبع فى التأثير، لكنها ساهمت بصورة أو أخرى فى حالة الانسداد. لهذا كان اللجوء الإسرائيلى للورقة الإيرانية حتميا، كى تفتح نافذة جديدة تساعدها فى إعادة تشكيل الأوراق.

إسرائيل ذهبت للقنصلية الإيرانية بدمشق، بعد أن اختبرت الموقف الإيرانى مما يجرى فى قطاع غزة على مدى ستة أشهر، وهى مدة صالحة لقياس المدى الذى يمكن لطهران أن تمضى نحوه. تأكيد طهران وخيارها الاستراتيجى كان واضحا بأن تدخلها المباشر مقيد، ونشاط أذرعها بالمنطقة سيظل خاضعا لأسقف منخفضة لن تتجاوزه، على الأقل لن يمثل تأثيرا مباشرا على مجريات العمل العسكرى الجارى فى قطاع غزة، ولا حتى سيصل إلى مرحلة «إشغال» الجهد العسكرى الإسرائيلى على أى من خطوط التماس، رغم إمكانية تحقيق ذلك بسهولة على جبهات لبنان وسوريا. وبقيت تلك الأذرع فى نشاطها المنضبط غير المؤثر. حتى بالقياس على الذراع الحوثية، كونها تمثل أخطر وأكبر التدخلات على صعيد إرباك الملاحة فى البحر الأحمر، الثابت أن التداخل الإيرانى عبر هذه الذراع موجه لأطراف دولية ولدول الإقليم، أكثر مما هو معنى به إسرائيل. ولم يكن هناك أبلغ من التأكيدات الإيرانية المباشرة، التى وصلت للجميع بأن طهران غير معنية بحرب إقليمية واسعة، واحتفظت بصفة «المراقب النشيط» الذى يدير حساباته بدقة لحصد أكبر مكاسب. الهجوم الإسرائيلى على القنصلية الإيرانية، حقق لها أهدافا مؤثرة تقدرها تل أبيب بـ«الثمينة»، أبرزها إعادة إنتاج نفسها ودورها كرأس حربة لحلفائها من القوى الغربية، على صعيد قدرتها على نقل المواجهة مع إيران إلى مستوى متقدم، مع استعدادها إلى تحمل التكلفة المرتقبة لتلك النقلة الإستراتيجية. وعلى نفس قدر الأهمية ترغب إسرائيل فى وضع قيود جديدة على إيران، فيما يخص دعمها للفصائل الفلسطينية وقدراتها التسليحية، فبحسب التقدير الإسرائيلى هذا يستلزم ثمنا مباشرا على إيران أن تتحمله، بعد ما جرى فى 7 أكتوبر الماضي. على الجانب المقابل لم يكن أمام إيران سوى الرد على الهجوم الإسرائيلى، وقد تم صياغة الرد الذى استهدف الأراضى الإسرائيلية بصورة دقيقة ومركبة من جانب طهران، من ناحية رغبتها فى الحفاظ على «توازن» حرج فى قواعد الاشتباك مع إسرائيل، مع ما يتطلب لذلك بشكل عاجل تأكيد المكانة لدى أذرعها وجمهورها، الذى يمثل لها الرصيد الاستراتيجى غير القابل للمساومة. لهذا حرصت طهران على تأكيد أنها خرجت من مربع «الصبر الاستراتيجى» بلا عودة، وأنها قادرة وجاهزة للتعامل المباشر مع المهددات أيا كان من يقف وراءها. الاهتمام الإيرانى بهذا المفهوم ليس مبعثه الحقيقى تهديد المصالح الإيرانية، فهذا غير متحقق على الأقل حتى الآن. إنما جاء الاستهداف المباشر لأرض إسرائيل انطلاقا من الأراضى الإيرانية، بالنظر إلى إعادة صياغة الأوزان الإستراتيجية لدول الإقليم وللقوى الموجودة بنطاقه الجغرافي. لذلك لم يكن مستغربا أن يكون التدخل الأمريكى والبريطانى والفرنسى، حاضرا بشكل مؤثر فى التصدى العسكرى المادى، فى الدفاع عن أمن إسرائيل، وليس غريبا أن يتكشف بعد أيام من الهجوم، أن التداخل العسكرى لتلك الدول تجاوز فى تصديه ما يقارب ثلثى الهجوم الإيرانى، الذى كان مقصودا أن يكون «واسعا عدديا». إسرائيل وحلفاؤها وبالطبع إيران معنيون بشكل كبير، بحصاد وإعادة صيغ الأوزان الإستراتيجية فى المنطقة، بعد الانتهاء من الحرب على غزة، والعمل على هذا الهدف يستلزم انتباها وانخراطا أكبر من الدول العربية الرئيسية، التى بالضرورة تعنيها هى الأخرى تلك المعادلات الإقليمية، فهى على تماس مباشر مع مصالحها التاريخية والجغرافية فى إقليم يعاد رسم حدوده الجديدة بالنار.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: