رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الطبقة الوسطى والأسئلة الصعبة (١)

انشغلت خلال الأعوام الثلاثة الماضية بالكتابة ما بين حين وآخر عن الطبقة الوسطى وأحوالها. ولقد تناول المقال الماضى بعض الميول البازغة داخل الطبقة الوسطى لتعظيم الفوائد الخاصة بطرق عديدة بصرف النظر عن المنافع العامة أو الأساليب التى تستخدم والتى تشى بإمكانية أن نصف هذه الميول بأنها ضرب من التراكم البدائي. ولقد حظى هذا المقال بتعليقات عدد من الزملاء الذين سعدت جداً جداً بملاحظاتهم، كما كانت سعادتى بالغة بمكالمة أستاذى الدكتور محمد الجوهرى الذى يشجعنى ويتابع كتاباتى بحب مصفى.ولقد دفعتنى بعض الأسئلة على هذا المقال أو على مقالات أخرى حول الموضوع أن أخصص حديثاً حول بعض الاشكاليات المرتبطة بأوضاع الطبقة الوسطى وأحوالها فى العمران المعاصر.

ينكر البعض وجود الطبقة الوسطى، ويشير بعضهم إلى كتاب رمزى زكى بعنوان «وداعاً الطبقة الوسطى» (صدر الكتاب عام 1998، من الهيئة المصرية للكتاب، ونشر فى مكتبة الأسرة). وأغلب الظن أن الزملاء الذين يثيرون هذا السؤال لا يقصدون نفى وجود الطبقة، وربما يقصدون أنها تفقد دورها أو أنها أصبحت تعانى مثل الطبقات الفقيرة. وأياً كان القصد، فإن هذا السؤال كثيراً ما يطرح فى الكلام العابر لدى كثير من الناس وبعضهم من ذوى الخبرة والسمعة. وكثيراً ما أرد على من يطرح السؤال بجملة واحدة هي: انظر إلى نفسك تعرف الطبقة الوسطى، نحن الطبقة الوسطى. وغالباً ما أتذكر حينئذ مقولة ابن خلدون المنهجية الثاقبة، التى يمكن أن نطلق عليها مبدأ المطابقة، أى مطابقة القول (أو الخبر) على الوقائع، فالواقع هو الذى يزيف أو يحقق صدق القول أو الخبر. ووفقاً لهذا المبدأ، فمن تكون كل هذه الكتل السكانية الضخمة التى تشكل نسبة كبيرة من الهرم السكانى، ولا يمكن تصنيفها بحال من الأحوال بأنها فقيرة. إننا عندما ننكر وجود الطبقة، فإننا ننفى وجود هذه الفئات من الناس. ولا تعتبر أطروحة رمزى زكى تبريراً لهذا القول، فلم يقصد قط أن الطبقة قد اختفت، وإنما كان يحذر من شيوع سياسات الليبرالية الجديدة التى افترض أنها سوف تضعف الطبقة الوسطى، وهو ما حدث بالفعل بسبب انخفاض الأجور، وتضاؤل فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة. فثمة إذن مجموعات كبيرة من الناس يمكن أن نطلق عليها الطبقة الوسطى، ولا أظن أن أحداً يختلف على ذلك، ولكن قد نختلف حول خصائص هذه الطبقة والعلاقات بين أعضائها أو ميولها الثقافية العامة.

أما السؤال الثانى فهو السؤال الخاص بتعريف الطبقة الوسطى: من تكون هذه الطبقة؟ لا أميل إلى تضييق تعريف الطبقة الوسطى بأنها الجماعات العريضة من أصحاب المهن المتخصصة كالمثقفين والأطباء والمهندسين وأضرابهم، بل أميل إلى توسيع التعريف ليشمل فئات من أصحاب الأعمال والمزارعين والتجار. وعلى هذا فإننى أطرح التعريف التالى للطبقة الوسطى: جماعات من السكان تحتل الوضع المتوسط (متجاوزة ما دونها من دوائر الفقر) بحكم ما تنخرط فيه من أنشطة اقتصادية ومهنية وأساليب حياة. وهى تتدرج من أسفل إلى أعلى فى شرائح تبدأ بالشريحة الأعرض التى تتكون من موظفى الحكومة والقطاع الخاص، وأصحاب الأنشطة الإنتاجية والتجارية الصغيرة، تليها الشريحة الوسطى التى تتكون من أصحاب المهن المتخصصة، ومتوسطى المنتجين والتجار والملاك الزراعيين، والشريحة العليا، وهى الأقل عدداً والتى تتكون من كبار المنتجين والتجار وملاك الأرض الزراعية والثروات العقارية. وأميل إلى أن أدخل ملاك الثروة الكبار فى هذه الطبقة، لأنهم جاءوا منها، ويحملون ثقافتها. وإذا ما نظرنا إليهم على أنهم فئة مستقلة متمايزة عن الطبقة الوسطى، فلا يجب قط أن نعتبرهم طبقة، فهم شريحة ضئيلة من أبناء الطبقة الوسطى الذين قفزوا وتجاوزوا الطبقة عبر قدراتهم على المغامرة وجسارة الاقتراض، فغادروا الطبقة فيزيقياً ولم يغادروها ثقافياً، فكل ما نقوله عن الطبقة الوسطى من النواحى الثقافية هو الصق بهم. وقد يسأل البعض هنا هذا السؤال المهم: كيف نتحدث عن طبقة وسطى بهذا المعنى ونحن لا نملك طبقة عليا فوقها؟ ونجيب عن هذاالسؤال بالقول بأن كلمة الوسطى هنا لا تعنى بالضرورة أنها تقع بين طبقتين (قد يكون هذا أكثر صدقاً فى المجتمعات التى تكونت فيها طبقة عليا صلبة متمايزة)، ولكن تكتسب الكلمة دلالة ثقافية بأن هذه الفئات لا يمكن تصنيفها على أنها فئات فقيرة، كما لا يمكن تصنيفها على أنها فئات برجوازية، فهى فى موقع متوسط مفتوح البداية والنهاية، فيسمح بدخول أعضاء جدد من أسفل، ويسمح بالقفز إلى أعلى لمن تسمح له الظروف.

وثمة سؤال ثالث يطل برأسه عندما نتحدث عن الأسباب والعوامل الكامنة خلف ما تمر به الطبقة من ظروف: هل من ينتمون إلى الطبقة هم الأكثر مسئولية أم الظروف المحيطة والسياسات التاريخية المعروفة؟ لاشك أن الظروف المحيطة بالطبقة تلعب دوراً كبيراً، مثل تقلب السياسات العامة وميلها إلى النظم الليبرالية المنفلتة، والظروف الكبرى المتصلة بالعولمة وثقافتها المتغيرة والمهيمنة. ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فصحيح أيضاً أن هذه السياسات هى من اختيارات أبناء الطبقة، الذين يعملون أيضاً كوسطاء فى نقل معطيات الحداثة المعولمة وتناقضاتها. فأينما يممننا وجهنا شطر أى تفسير فسوف نجد أن أبناء الطبقة الوسطى هم الذين صنعوا القرارات المتصلة به. وإذا سلمنا بذلك فقد ندخل فى تفسير دائرى لا نخلص منه إلا أن نأخذ فى اعتبارنا دائماً الحقيقة التى مفادها أن التاريخ يصنعه رجال ونساء، وأن العلاقة بين الفاعل والبناء الذى يعيش فى كنفه هى علاقة لا تنفصم عراها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: