رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى.. التراكم البدائى لأرصدة القوة

ثمة قصة نسمعها تتردد كثيرا فى التراث الشعبى الريفى فى بعض قرى الصعيد، وهى قصة تبدو وكأنها تفريعة على أسطورة المصباح السحرى الذى يجلب الحظ، وهى تحكى عن الشخص الذى يسير فى ظلام الليل وفى مكان مهجور فيظهر له كنز من ذهب يحرسه شخص طويل القامة، فيرتعد عابر السبيل ويخاف، ولكنه يقول له شبيك لبيك، ويأمره أن يفتح حجره ويضع له كمية من الذهب، فيطمع الرجل ويطلب المزيد، فيعطيه، فيطلب المزيد فيعطيه، فيطلب المزيد، فيصيح فى وجهه ويضربه بكرباجه، فيترك الرجل كل الذهب ويجرى، ليصل إلى منزله، ويظل راقداً يرتعد من الخوف إلى أن يموت. تحذرنا هذه القصة التى نسجت من الخيال المصرى، تحذرنا من فرط الطمع. ورغم أن الناس يحكون هذه الحكاية، ويسردون الأمثال التى تؤكد أن الطمع أقل ما جمع، إلا أن سلوكهم يظل شبيها بسلوك هذا الرجل الذى كان يرغب فى أن يسع حجره للذهب كله.

ونستطيع أن نجد رواسب من هذا الجشع والاستحواذ فى سلوكنا فى الحياة الرسمية وغير الرسمية. وغالبا ما تفسر مثل هذه السلوكيات وغيرها فى ضوء تأكيد الازدواجية التى يظن البعض أنها لصيقة بالشخصية المصرية (يمكن مراجعة آراء السيد عويس فى هذا الصدد)، ولكنى افترض إمكانية لتفسير آخر يرتبط بطبيعة السعى لدى أبناء الطبقة الوسطى خاصة نحو تعظيم أرصدتهم فى الحياة، وتنويعها بحيث تحقق لهم أرضاً صلبة من القوة والنفوذ والاستحواذ. وتبدو هذه الخصيصة لصيقة بكل أصحاب الطموح الكبير فى أى مكان فى العالم. ولكن ثمة خصوصية تطل برأسها عبر ممارسات تجميع أرصدة القوة لدى أبناء الطبقة الوسطى فى بلادنا، والتى تؤشر على شكل من أشكال السعى نحو التراكم البدائي. ونستعير هذا المفهوم من عالم دراسات الاقتصاد السياسى حيث يقصد به تجميع أكبر قدر من الأرباح بصرف النظر عن ظروف العمل كالتشغيل المفرط، وعدم مراعاة ظروف النساء والأطفال، وتخفيض الأجور إلى أدنى درجة، وهى ظروف كانت أكثر شيوعاً فى بدايات التطور الرأسمالي. يبدو تراكم الأرصدة لدى أبناء الطبقة الوسطى وكأنه يتخذ نفس الصورة البدائية حيث ينصرف السلوك نحو تجميع الأرصدة بأى شكل وبأى طريقة، بصرف النظر عما يحيطها من ظروف، فيكون التراكم بدائياً، لا يلتفت إلى أى معايير إنسانية، وقد يرتبط فى كثير من الأحيان بصور من التبرير أو التخارج الأخلاقي.

وقد يكون مفيدا عند هذا الحد أن نستدعى بعض المشاهدات التى قد تؤشر على ما نقصده بالتراكم البدائى فى هذا الحديث. دعونى فى هذا الصدد أصف أربع مشاهدات، تتعلق الأولى بالارتباط المهني. فكل منا له مهنة يجيدها عن غيرها من المهن، فلا يمكن للمهندس أن يكون طبيباً مثلا. ويتطلب ذلك من أهل المهن أن يحرصوا على مهنهم وأن يحرسوها، وأن يفنوا حياتهم فى إجادتها. ولكن الميل نحو تراكم الأرصدة يجعل البعض يتركونها دون تطوير وينصرفون إلى تجميع أرصدة أخرى: تملك العقارات بشكل شره لكى تتراكم فيها ثروة للأسرة، والسعى نحو تملك مزرعة خاصة للتشبه بكبار ملاك الأرض الزراعية فى الزمن الماضى، هذا بجانب السعى نحو شغل المناصب الإدارية بشكل يفوق السعى نحو الاكتمال المهني.

أما المشاهدة الثانية فإنها تتصل بسلوك يسود فى المجال الإدارى يتمثل فى السعى الدائم نحو الاستفادة القصوى من الوظيفة الحكومية بطريقة تفوق الاستفادة بالأجر المتحصل منها فقط. وتتزايد أشكال الاستفادة كلما صعد المرء على السلم الإداري. ومن صور هذه الاستفادة الإصرار على زرع الأبناء والأقارب فى نفس السلك الوظيفى خاصة إذا كانت من الوظائف المتميزة، وتوسيع دائرة التشبيك مع الأفراد فى المؤسسات الأخرى الذين يمكن أن يكونوا سندا عند الحاجة، واستخدام الإمكانات المتاحة داخل المؤسسة لخدمة أغراض شخصية. وثمة مشاهدة ثالثة تتعلق بما يمكن أن نطلق عليه إغراءات السياسة والتى تتمثل فى سعى بعض الأفراد نحو تملك السلطات السياسية فى اللجان والأحزاب والكيانات التى تؤسسها الدولة، واستخدام كل الأساليب لكى يكون للمرء طلة سياسية أو شبه سياسية.

وكثيرا ما يقدم المرء هذه الانتماءات على الانتماءات المهنية. وقد يرتبط هذا الطموح السياسى بطموح ثقافى أو مدنى، فيسعى المرء منهم إلى تأسيس جمعية أهلية أو مؤسسة يطل منها على الدنيا ويتخذها منبرا لتوثيق العلاقات، وللدخول فى دائرة البحث عن التمويل. ولكن الأكثر غرابة من هذا كله هو التطفل على الثقافة، بالجرأة على الكتابة والتأليف فى أمور بسيطة وغريبة، والجرأة على عقد الندوات والتوقيعات، وعلى فتح قنوات مع أسماء لها شهرة ثقافية أو علمية تلبى لهم رغباتهم فى عقد هذه الندوات.

ولن أطيل أكثر من هذا فى هذه الأوصاف الدالة على السعى الحثيث نحو تراكم أرصدة القوة، فالأهم من ذلك أن نفهم بعض الدلالات المتضمنة فى مثل هذه المساعى جميعا. ثمة دلالات أربع تطل برأسها عبر النظر فى المشاهدات السابقة: الأولى تتعلق بالنكوص المهنى الذى يمكن أن يصيب قطاعات عريضة من أبناء الطبقة الوسطى خاصة فى المهن المتخصصة ذات الأهمية الكبرى كالطب والهندسة والصيدلة، وما يرتبط بذلك من ذبول للمستوى الأكاديمى، والثانية ترتبط بالجوانب السياسية والثقافية خاصة، فالسلوك السياسى قد لا يعكس فهما سياسيا عميقا للأمور السياسية، فلا يتجاوز الخطاب فيه الخطاب اليومى العادي.

والأمر أكثر خطورة فى المجال الثقافى، حيث تؤدى الجرأة على الفكر دون علم أو معرفة عميقة إلى خلق فقاقيع ثقافية هنا وهناك تموت على أصداء جلبتها وضجيجها المسارات البارقة العميقة الرؤية. وثمة دلالة ثالثة تتصل بما تؤدى إليه عملية التراكم البدائى على النحو الذى وصفناه من خلق معايير غريبة للحراك الاجتماعى الصاعد، حيث يستقر فى وعى الأفراد أن الصعود إلى أعلى فى السلم الاجتماعى لا يجب أن يرتبط بالضرورة بالإجادة فى العمل أو الإخلاص له، ولكنه يرتبط بقدرة الفرد على بناء أرصدة من العلاقات، وعلى قدرته بث خطاب لقلوظة الذات وحضورها الغاصب لمقدمة الصفوف؛ وأخيرا فإن مثل هذا الضرب من السلوك يجعل الطبقة تلتف حول ذاتها ومصالحها الشخصية، فلا يكون للوطن إلا مساحة ضيقة، تظهر بشكل أكبر فى تلافيف الكلام.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: