رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معضلات إدارية .. إعادة إنتاج ثقافة الخير المحدود

لقد جاءت معظم عناصر الطبقة الوسطى المصرية من خلفيات ريفية، ولقد حملت معها ثقافتها الريفية الخاصة وهى تهاجر إلى حياة المدينة حيث الثقافة الحديثة. لم يستطع التعليم الذى تلقاه أبناء الطبقة الوسطى أن يمحو كل جوانب الثقافة القديمة، فحملها هؤلاء فى عقولهم ونفوسهم، ووضعوها خلف الملابس الحديثة التى تفرضها عليهم متطلبات حياة المدينة. تحمل هذه الثقافة التقليدية كثيرا من الجوانب الإيجابية مثل الشهامة والكرم والترابط والتضحية، ولكنها – مثلها مثل أى ثقافة – تحمل جوانب سلبية قد لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات الحياة الحديثة وما تنادى به من قيم الثقة والمبادأة والإقدام.

وعلى هذه الخلفية نجادل فى هذا المقال حول فرضية أحسب أننا يجب أن نتأملها ونحن نتدارس معضلات الإدارة الحديثة فى مجتمعنا، وهى أن أهل هذه الإدارة القائمين على شئونها يحملون فى ذواتهم رواسب من نمط خاص من الثقافة التقليدية بعامة والريفية بخاصة يطلق عليه ثقافة الخير المحدود. وقد طور علماء الأنثروبولوجيا الذين درسوا المجتمعات الريفية فى كثير من بلاد العالم هذا المفهوم. ووضع معالم هذه النظرية عالم الأنثروبولوجيا الأمريكى جورج فوستر فى مقال نشره عام 1965 فى مجلة «الأنثروبولوجى الأمريكى» بعنوان «المجتمع الريفى ومخيال الخير المحدود». تؤكد هذه النظرية أن ما يتاح من خير (موارد) فى المجتمع الريفى التقليدى يكون محدودا فى الغالب. فكل شىء يتاح بقدر، الأرض، والنقود، والمحاصيل، وحتى المياه فى بعض الأحيان. وفى ضوء هذه الندرة فإن أى مكسب من قبل فرد معين تقابله خسارة من قبل فرد آخر، وهنا تتشكل فى مخيال الأفراد ثقافة تؤكد أن كل شخص يحصل على خير أكبر (موارد أكبر) يحصل عليه على حساب خسارة للآخرين الذين لم يحصلوا على شىء أو حصلوا على القليل منه. ويؤدى ذلك إلى بناء توجهات خاصة تتعلق بانتشار الغيرة والنميمة والحسد والحقد، وهى توجهات تتعمق فى البنية العميقة للثقافة كلما تزايدت معدلات الحرمان، وكلما بعدت الشقة بين من يحصلون على كميات أكبر مما هو متاح من موارد، وبين نظرائهم الأقل حظًا فى الحصول عليها.

ولاشك فى أن هذه الثقافة توجد على نحو أو آخر فى مجتمعنا التقليدى. وتلك هى الثقافة التى يجادل هذا المقال بالقول إنها نقلت عبر المهاجرين الريفيين، الذين سيطروا على مفاصل الإدارة فى المدينة بعد أن تلقوا التعليم الحديث. ولاشك فى أن جوانب من هذه الثقافة قد انصهرت فى الثقافة الحديثة، وأصبحت تلعب دورا كبيرا فى تشكيل العلاقات الإدارية فى التنظيمات والمؤسسات الحديثة. دعنا نلقى نظرة على بعض المشاهدات الدالة على ذلك.

سوف أشير إلى أربع مشاهدات على عجالة. الأولى تتعلق بما يمكن أن نطلق عليه النفور من العدالة، كما يتبدى فى غضب البعض عندما تكون هناك مخالفات ينظر فيها المحققون القانونيون فى التنظيم، والغضب من تطبيق العقوبات الصارمة، وتحويل الأمر كله إلى صور من المظلومية. يبدو الأمر هنا وكأنه حنين إلى الثقافة القديمة التى يتنافس فيها البشر وفقا لقدراتهم الذاتية أو العائلية، دون وجود ضابط عام ينسج الجميع فى نسيج واحد. ويبدو هذا الميل نحو النفور من العدل وكأنه أمر غريب، لأن المفترض أن يكون القادم من هذه الثقافة، باحثا عن العدل، ولكن الذى يحدث هو العكس وهو البحث عن مزيد من المكاسب على حساب الآخرين كما تقرر الثقافة التقليدية وهو أمر يتنافى تمامًا مع مبدأ العدالة.

وثمة مشاهدة ثانية ترتبط بهذا الميل، وهى تتعلق بالبحث الدائم عن المصلحة الشخصية، وتعظيم الفوائد التى يحصل عليها الشخص من وظيفته الرسمية. يحاول المرء هنا أن يراكم مكاسب تلو الأخرى، لا يكتفى بأنه يحصل على أجر، بل يريد دائمًا أن يحصل على مزايا أخرى يخدم بها أبناءه أو أقاربه. تغيب هنا المصلحة العامة، أو تصبح فى مرتبة ثانوية فى مقابل تنامى المصالح الشخصية والتراكمات الشخصية. وترتبط بهذا السلوك مشاهدة أخرى تبدو واضحة فى حجم المقارنات التى يقيمها الأفراد داخل التنظيم بينهم وبين نظرائهم أو غير نظرائهم. ومن المعروف أن المقارنات تزداد فى حالة عدم التكافؤ. ولكنها تظهر هنا فى ظرف مشبع بالتكافؤ، فالكل يخضع لقانون واحد داخل الإدارة. وهذه القوانين لا تفرق بين الأفراد إلا فى ضوء المسئوليات الوظيفية. يفترض هنا أن يؤدى كل شخص دوره الذى يحدده القانون وكفى. ولكن الأمر ينقلب رأسًا على عقب عندما يقارن كل شخص نفسه بالآخرين، ويغضب عندما يحصل على خسارة، أو عندما يحصل الآخرون على مكاسب. هنا تطل ثقافة الخير المحدود برأسها. ونستطيع أن نشير إلى مشاهدة أخيرة تتمثل فى النفور من العمل الجمعى، وعدم القدرة على إدارة الفريق، وتنازع الآراء بشدة داخل الفريق الواحد فى بعض الأحيان. وربما يرجع ذلك إلى أن كل شخص يتصور أنه يعمل فى الفريق أكثر من الآخرين، ولذلك فهو الخاسر، أما الآخرون الذين لا يعملون فهم الأكثر كسبًا. ورغم أن المعادلة مقلوبة هنا، إذ يجب أن يبتهج الشخص بكثرة عمله، ولكنه هنا يعتبر أن كثرة العمل خسارة، لأن ثقافة عميقة فى داخله تؤكد له مبدأ للنفور والعداوة مع الآخرين، الذين يكسبون دائما على حساب خسارته. وأخيرا فإننى لا أدعى أن جل هذه الثقافة هو الذى يسود دهاليز التفاعل الإدارى الحديث، ولكن قد نرى شذرات منها منثورة هنا وهناك على أبواب الإدارة، وفى طرقاتها ومكاتبها، وهى تعطل تدفق الأداء الإدارى لاشك فى ذلك. وأحسب أن الالتفات إليها وفهمها كفيل بأن يخلق وعيًا إداريًا يجعلنا قادرين على أن نستبعدها من سلوكنا الإدارى.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: