رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسألة الإسرائيلية «13»

«نظام روما الأساسي» للمحكمة الدولية؛ دخل إلى حيز التنفيذ فى عام 2002، ونص على اعتبار (11 جريمة) يمكن أن ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية، متى ارتكبت فى إطار واسع النطاق، أو بشكل منهجى موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وأن يكون هناك علم بهذا الفعل. مصطلح «واسع النطاق» يشير إلى حجم الأفعال أو إلى عدد الضحايا، أو كليهما معا بالضرورة. أما «السلوك المنهجي»، فهو يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال، خاصة أن كان ذا ارتباط بسياسة دولة، أو منظمة أو مجموعة مصنفة من الفاعلين. مذكرة النظام التفسيرية، توضح أن تلك الجرائم ضد الإنسانية هى جرائم بغيضة، من حيث إنها تشكل مساسا خطيرا بكرامة الإنسان وتتسبب فى إذلاله وإهانته. ويكشف التفسير أيضا عن كون تلك الجرائم، لا تتم كأحداث منعزلة أو متفرقة، ولكنها عادة ما تكون جزءا من سياسة حكومية، أو ممارسة واسعة لفظائع تتعاون معها السلطات، أو تغض الطرف عنها الأجهزة المنوط بها منعها، باعتبارها سلطة الأمر الواقع.

الجريمتان الثابتتان بحق دولة إسرائيل، هما الفصل العنصرى والاضطهاد من بين الجرائم الإحدى عشرة، التى جاءت جميعها على نفس التراتبية بين الجرائم ضد الإنسانية، فهى بموجب قانون روما الأساسى على نفس درجة الخطورة وتؤدى إلى العواقب ذاتها. بحسب التقرير الموسع الذى أنجزته منظمة «هيومان رايتس ووتش» فى أبريل 2021، ونشرته بعنوان «تجاوزوا الحد ـ السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصرى والاضطهاد» باللغات الإنجليزية والعربية والعبرية والأردية، ذكرت أن عام 1948 الذى شهد إنشاء دولة إسرائيل، تعرضت فيه أكثر من (400 قرية) فلسطينية للتدمير مما تسبب فى فرار نحو 700 ألف فلسطينى أو طردوا من ديارهم. أعقب ذلك فى الفترة من 1949 إلى 1966، فرضت السلطات الإسرائيلية على أغلب الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة، خضوعهم للحكم العسكرى مع حصارهم فى عشرات الجيوب المعزولة، وألزمتهم بالحصول على تصاريح لمغادرتها مع فرض قيود مشددة على جميع حقوقهم. وتعمق الانتهاك للحقوق الفلسطينية فى يونيو من عام 1967، بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فى ذلك القدس الشرقية، وأراضى قطاع غزة، لاسيما وقد أعقب ذلك التاريخ فرض الحكم العسكرى على الفلسطينيين الذين يعيشون بتلك المناطق.

قررت إسرائيل ضم القدس الشرقية من جانب واحد فى عام 1967، والجدير بالذكرأن هذا الضم لا يغير من وضع القدس الشرقية حتى الآن، كأرض محتلة بموجب القانون الدولى. فى الضفة الغربية سهلت إسرائيل منذ هذا التاريخ بناء المستوطنات اليهودية، رغم أن «اتفاقية جنيف الرابعة» التى تنطبق على الاحتلال العسكري؛ تحظر نقل السكان المدنيين التابعين إلى سلطات الاحتلال إلى المناطق المحتلة. أما فى قطاع غزة الذى بقى تحت الاحتلال من 1967، وحتى سحب إسرائيل قواتها العسكرية منه فى 2005 من جانب واحد، فقد أخلت المستوطنات التى أنشئت خلال تلك الفترة واستمرت فى فرض سيطرة كاملة على القطاع، بوسائل وقيود أخرى أبرزها تدمير الاتصال الجغرافى بين القطاع والضفة الغربية. وقد أقرت السلطات الإسرائيلية لاحقا بأن خطوة المغادرة الطوعية لقطاع غزة، جاءت على خلفية إعادة توجيه الموارد التى كانت تذهب إلى المستوطنات فى غزة،لصالح تعزيز السيطرة اليهودية على أجزاء من الضفة الغربية، ومن أجل إتمام «التهويد» الكامل لكل من النقب والجليل اللتين تفوقان أهمية للدولة الإسرائيلية، عن قطاع غزة المعبأ بـ«القنبلة الديموغرافية» الفلسطينية التى تتجاوز المليون نسمة.

هذا المثال فى قطاع غزة؛ ليس حالة معزولة لمنطقة بعينها، بل ربما تعتبر القضية الديموغرافية وتركيبتها المعقدة بين الاحتلال وأصحاب الأرض، هى العامل المحورى الرئيسى لسياسة «الفصل العنصري» الإسرائيلية. فبالتطبيق على حالة الفصل الحاد الممنهج بين الضفة وقطاع غزة، عمدت السلطات الإسرائيلية فى الحالات النادرة التى تسمح فيها للفلسطينيين بالتنقل بين غزة والضفة الغربية، أن يظل التنقل نحو غزة حصرا. فقد تم اتخاذ قرار إسرائيلى فى 2006 بعد عام واحد من مغادرة القطاع، باعتماد سياسة الفصل بين «يهودا والسامرة» وقطاع غزة. هذه السياسة سارية حتى الآن وهى بغرض الحفاظ قدر الإمكان على التفوق السكانى اليهودي، لذلك يجرى الموافقة على مغادرة الفلسطينيين الضفة الغربية فى حال رغبتهم بالإقامة داخل القطاع. تلك الموافقة تصدر مشروطة بعدم عودة الفلسطينيين مرة أخرى إلى الضفة الغربية، بأى صورة من الصور، بل ويتم رفض جميع الطلبات التى تقدم فى الاتجاه العكسى من قطاع غزة إلى الضفة الغربية حتى وان استوفت جميع الشروط المجحفة.

لهذا ظلت السلطات الإسرائيلية تشجع طوال الوقت الفلسطينيين على الهجرة، من غزة إلى خارج الأراضى الفلسطينية المحتلة بأسرها، وهو تطهير عرقى مستتر تقدم فيه دولة إسرائيل جميع التسهيلات كى تتمكن من مقاومة التهديد السكانى. هذه السياسات تضغط فعليا على الفلسطينيين للخروج من الأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة الغربية، التى تطمع السلطات فى تخصيصها للاستيطان اليهودى. بعد عقدين من هذا المخطط يمكن تسجيل نجاح إسرائيل، فى ظل ارتكابها تطهيرا عرقيا ممنهجا أن تصل بالنسب السكانية لليهود والفلسطينيين لأغلبية تتراوح بين 59% لصالح اليهود، فى مقابل 41% للفلسطينيين فى المنطقة الواقعة بين النهر والبحر، مع استبعاد قطاع غزة من هذا القياس. وقد عززت السلطات هذا التطهير بمزيد من قيود الفصل العنصري، عبر القيود المفروضة على التنقل بين القدس الشرقية وبقية الأراضى الفلسطينية المحتلة، فضلا عن مجموعة القيود على حقوق الإقامة للفلسطينيين، وهذا بدوره يفضى تدريجيا لتشكيل أداة أخرى لضمان الهيمنة اليهودية.

كشف تقرير «هيومن رايتس ووتش» أيضا عن الخطة الاستراتيجية التى أعدها قسم الاستيطان فى المنظمة الصهيونية العالمية عام 1997، والتى دعت إلى توسيع مناطق الاستيطان لتشمل المواقع العسكرية، والمحميات الطبيعية، والمواقع الأثرية وأراضى الدولة المجاورة، وربطها بشوارع المرور وممرات البنية التحتية من أجل إنشاء مساحات متجاورة من الأراضى خاضعة لسيطرة إسرائيل. بالأخص حول القدس فى الشمال الغربى للضفة، وفى غور الأردن وتلال جنوب الخليل وأقصى شمال الضفة.


لمزيد من مقالات خالد عكاشة

رابط دائم: