رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المحكمة الدولية والانتهاكات الإسرائيلية

تعتبر محكمة العدل الدولية بمثابة الذراع القانونية للأمم المتحدة وهى الجهة المختصة بالفصل القانونى فى المنازعات بين الدول، كما يندرج أيضا فى اختصاصها كل ما يتعلق بما يحدث من انتهاكات لقواعد القانون الدولى، والقانون الدولى الإنسانى، وما يمكن أن يحدث من جرائم ضد الإنسانية مثل أعمال الإبادة الجماعية أو التهجير القسرى، وكذلك عدم التزام سلطات الاحتلال بمسئولياتها تجاه شعوب المناطق المحتلة وفقا لقواعد القانون الدولى، ويندرج فى اختصاص المحكمة أيضا ما يمكن أن يحدث من مخالفات مثل اتباع سياسة التجويع، والحصار للمناطق المحتلة، وعدم إدخال المساعدات الإنسانية وحرمان سكان المناطق المحتلة من الطعام، والمياه، والوقود، والمستلزمات الطبية، وما يماثلها من أعمال تمثل انتهاكات صريحة لقواعد القانون الدولى، وللقانون الدولى الإنسانى.

ويمثل الاعتداء الإسرائيلى الوحشى على قطاع غزة وسكانه من المدنيين العزل انتهاكا لجميع قواعد القانون الدولى، والقانون الدولى الإنسانى حيث استخدم الاحتلال الإسرائيلى أحدث الأسلحة بما فى ذلك الأسلحة المحرمة دوليا ضد المدنيين العزل، كما قامت إسرائيل بالتوسع فى هدم المساكن والأحياء السكنية، وقصف المستشفيات والمدارس، ودور العبادة، وتدمير البنية التحتية، ومحاولة تهجير قسرى للفلسطينيين، ووفقا لمراحل متدرجة بدأت بعملية تهجير داخلى للفلسطينيين من الشمال إلى الوسط والجنوب باعتبار أن هذه المناطق آمنة، ثم قامت إسرائيل بالتوسع فى العدوان وشنت الهجمات على مناطق الوسط وخان يونس، والمناطق المجاورة، وبدأت تقصف رفح الفلسطينية وتهدد باجتياح برى لها، اضافة إلى ما قامت به سلطات الاحتلال من حصار ومنع مستلزمات الحياة لسكان قطاع غزة مثل الطعام، والمياه، والمستلزمات الطبية وإعاقة دخول المساعدات الإنسانية بالكميات الكافية وبصفة مستمرة، إضافة إلى المجازر المستمرة ضد المدنيين، بحيث تتزايد أعداد الشهداء والجرحى بين يوم وآخر، وبين ساعة وأخرى، وبحيث أصبح عدد الشهداء من الفلسطينيين نتيجة لهذه الأعمال ما يزيد عن الثلاثين ألفا، بينما تزايدت أيضا أعداد الجرحى والمصابين لتصل إلى قرابة الثمانين ألفا مع استمرارية تزايد الأعداد بمرور الوقت، وتمثل كل هذه الانتهاكات من جانب سلطات الاحتلال أعمال ابادة جماعية، وتهجيرا قسريا بالمخالفة لكل قواعد القانون الدولى.

وإزاء هذه الانتهاكات الخطيرة من جانب سلطات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين وما يمثله ذلك من مخالفات صريحة لقواعد القانون الدولى فقد تقدمت دولة جنوب إفريقيا بدعوة إلى المحكمة ضد إسرائيل، واتخذت المحكمة قرارها بحق الفلسطينيين فى قطاع غزة بالحماية من أعمال الإبادة الجماعية، ولم تقبل المحكمة وجهة النظر الإسرائيلية بعدم اختصاص المحكمة بنظر القضية، كما أعلنت المحكمة أيضا أنها لن ترفض قضية جماعية ضد إسرائيل ، ولذلك فإن انضمام دول أخرى إلى الدعوى المقدمة من جنوب إفريقيا للمحكمة يمثل نوعا من الضغط الدولى على إسرائيل، كما اتخذت المحكمة عقب تقدم جنوب إفريقيا بدعواها إلى المحكمة تدابير مؤقتة تتضمن امتناع إسرائيل عن القيام بأعمال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين فى غزة، واتخاذ تدابير فورية وفعالة لضمان توفير المساعدات الإنسانية للمدنيين فى غزة، وألزمت المحكمة إسرائيل بأن تقدم تقريرا إلى المحكمة فى خلال فترة شهر عن التدابير المتخذة تنفيذا لقرار المحكمة.

ويمكن القول إن إسرائيل لم تمتثل لقرارات المحكمة بل استمرت أعمال العنف فى قطاع غزة من جانب إسرائيل وربما بوتيرة متصاعدة، وهو ما يثير التساؤلات عن كيفية إلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات المحكمة وخصوصا أن المحكمة تختص بالجوانب القانونية والفصل فيها، أما التنفيذ فلا يعد من اختصاص المحكمة بل يكون من اختصاص مجلس الأمن والذى يعد بمثابة الهيئة التنفيذية للمنظمة الدولية، ولكن المشكلة أن مجلس الأمن بحكم تكوينه ووفقا لميثاق الأمم المتحدة يتكون من 15 دولة منها 10 أعضاء ذوو عضوية مؤقته بمعنى أنهم يتغيرون كل سنتين، بالإضافة إلى خمس دول ذوى عضوية دائمة وهى الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين حيث تتمتع هذه الدول دائمة العضوية بحق النقض أو الفيتو، ومعنى ذلك أن أى قرار لكى يصدر عن مجلس الأمن ولكى ينفذ فإن الأمر يتطلب موافقة الدول الخمس ذات العضوية الدائمة مجتمعة، ونتيجة لذلك فإنه اذا توافقت 14 دولة من أعضاء مجلس الأمن على قرار معين واعترضت عليه دولة واحدة ذات مقعد دائم فإن القرار لن يصدر ولن ينفذ بالتالى، ولعل هذه هى المشكلة المتكررة عند اتخاذ أى قرار ضد إسرائيل، حيث تقوم الولايات المتحدة باستخدام حق الفيتو ضد القرار والحيلولة دون إصداره لحماية إسرائيل من أى عقوبات دولية، ولذلك فإن الأمر يتطلب ايجاد نوع من التوافق الدولى للضغط على إسرائيل حتى لو كان ذلك خارج مجلس الأمن مثل العقوبات الاقتصادية، أو المقاطعة لإسرائيل أو غيرهما من القرارات التى يمكن اتخاذها بارادة مجتمعة للدول، وخصوصا أن استمرارية الاعتداء الإسرائيلى والمجازر المرتكبة فى غزة يمكن أن يمثل تهديدا بأن تنجرف أطراف أخرى فى الصراع سوءا كانت إقليمية أو دولية وهو ما يمثل تهديدا للاقتصاد الدولى، والتجارة الدولية وخصوصا بعد تهديد التجارة الدولية فى البحر الأحمر.

وفى النهاية فإن قرارات المحكمة لها أهمية من الناحية القانونية، والسياسية فى ادانة إسرائيل، والأطراف المؤيدة لها حتى لو لم تكن المحكمة جهة التنفيذ.

> أستاذ العلوم السياسية

بجامعة القاهرة


لمزيد من مقالات د. إكرام بدرالدين

رابط دائم: