رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معضلات إدارية .. إعادة إنتاج الوصاية

تقوم الإدارة الحديثة على مفهوم دقيق للفردية الإنسانية. وتتأسس الفردية داخل التنظيم الإدارى على مجموعة من القواعد والقيم الصلبة التى يتم احترامها وإعادة إنتاجها. من ذلك احترام التخصص، حيث يكون لكل فرد تخصصه الذى تتفق أبعاده المهنية مع متطلباته الوظيفية. وقد يشترك آخرون مع الفرد فى ذات التخصص، ولكن التنظيم يحقق لهم الجانب الفردى من زاوية مفهوم عمل الفريق، الذى يتطلب قدراً معيناً من التعاون والتكاتف على أداء مهام معينة لكل فرد، يؤديها داخل الفريق دون أن تمس فرديته أو تفرض عليه أى شكل من أشكال الإذعان (إلا للمتطلبات المهنية). وعلى هذه الخلفية، فإن الفردية الإنسانية تقوم أيضاً على قاعدة المسئولية الفردية، فكل فرد مسئول عن تصرفاته وأدائه المهنى وحدود التزامه بالقوانين والقواعد التى تحكم الأداء التنظيمي. ومن ثم فإن العقاب لا يطبق قط بطريقة جماعية، بل يطبق على الفرد وفى ضوء قواعد معروفة؛ فلا يطبق بشكل شخصي. وثمة قاعدة أخيرة يقوم عليها مفهوم الفردية، وهى الحرية فى مغادرة العمل بسبب أو بغير سبب. فالأصل فى الحصول على العمل هو الطوعية المطلقة، أى الحرية التامة فى الالتحاق بالعمل. وتظل هذه الحرية قائمة فى حالة الرغبة فى ترك العمل أو الالتحاق بعمل آخر. وتنظم عقود العمل هذه الأمور على نحو دقيق، ويتم التعبير عنها فى اللوائح المنظمة للعمل. وفى ضوء هذه القواعد الكاشفة عن حدود مسئولية الفرد واستقلاله فى التنظيم الإدارى، يتكون الانتماء إلى التنظيم والالتزام بقواعده. فالانتماء والامتثال والالتزام وكل القيم الرابطة للفرد داخل المؤسسة تنبع بالأساس عن شعوره بحريته الفردية،ومن حدود مسئوليته الأخلاقية المطلقة. ويمكن القول إن الحفاظ على هذا الاستقلال للفرد، وما يحيط به من علاقات منظمة وتطبيق عادل للقانون هو الذى يحافظ على استقرار الإدارة واستمرارها فى تحقيق أهدافها، وهو الذى يحافظ على بث روح العدالة والمساواة بين العاملين فى المؤسسة، وهو الذى يحفزهم على إقامة علاقات التزام وامتثال نابعة من الذات وليست مفروضة عليهم من الخارج.

ولكن المشاهد لجوانب كثيرة من السلوك ومن العلاقات داخل الإدارة فى مجتمعاتنا العربية يكتشف أن هذا المفهوم للفردية النابعة من احترام ذات الفرد كإنسان مستقل ليست قائمة على نحو ملائم. وقد نجد فى بعض السياقات أن جمهرة من العاملين فى المؤسسة لا يحبون هذه الاستقلالية لأنها تلزمهم بقيم المساواة. وعندما يوجد هذا الميل، فإن الأفراد يميلون إلى إعلاء شأن المكانة الفردية المشتقة من السلطة أو من مصادر أخرى لا علاقة لها بالسلطة (مثل انتماء الشخص لعائلة معينة أو انتمائه لمكان معين أو ارتباطه بسلوكيات إحسانية ودينية خارج التنظيم وربما داخله أيضاً، أو امتلاك الشخص لصفات شخصية معينة تمكنه من امتلاك مكانة معينة) فى هذه الحالة يميل الأفراد نحو استبدال المكانة الشخصية بالاستقلالية الفردية، ومن ثم الميل نحو استحضار الموروث الثقافى التقليدى حول الوصاية، أقصد وصاية صاحب المكانة الأعلى على زملائه فى العمل، وتحويل العلاقات القانونية المستقلة إلى علاقات أشبه بالعلاقات بين الولى والمريد، أو بين الكبير والصغير، أو التابع والمتبوع.

ويدعونا ذلك إلى أن نستجلى بعض صور الوصاية داخل التنظيمات الإدارية، كما تكشف عنها بعض المشاهدات الظاهرة. من أول هذه الصور ما يمكن أن نطلق عليه طلب الوصاية، أو وصاية الولاء وهو نمط شائع عندما يميل بعض أعضاء المؤسسة إلى الخضوع لمن هم أعلى منهم، ومجاراتهم فى كل شىء، والمبالغة الشديدة فى التعبير عن ولائهم لهم، والتوحد الشديد مع شخصياتهم، واعتبارهم مثلهم الأعلى صدقاً أم نفاقاً. إن مثل هذه الميول لا تواجه بالرفض فى أغلب الأحوال من ذوى المكانات العليا، بل إنهم يحبونها، ويؤسسون عليها أشكالاً من الوصاية يسيطرون بها على من تحتهم فى المكانة أو السلطة. ويعبر هذا المشهد خير تعبير عن الطريقة التى ينتقل بها مفهوم الوصاية وما يحيط به من ثقافة الولاء الشخصى والطاعة العمياء من الثقافة التقليدية إلى الثقافة الحديثة.

وتتدرج الوصاية من هذا النمط العام، الأكثر شيوعاً، إلى أنماط أخرى تتأسس على معايير مختلفة. ونستطيع أن نميز فيها بين نمطين يشكل كل منهما قطباً لثنائية متدرجة من الوصاية القسرية، التى تفرضها ظروف خارجة عن إرادة الفرد أى أنها تتعلق بأطر ثقافية جامدة يتم توارثها عبر الأجيال، ولا تستطيع الثقافة الحديثة أن تكسر سطوتها. فى النمط الأول نجد الوصاية النابعة من علاقات صداقة أو قرابة، توجد قبل الانتماء إلى التنظيم، ولكنها تظل قائمة، ويعاد إنتاجها بشكل دائم. تتشكل الوصاية هنا عبر علاقات تتقاطع مع علاقات الصداقة والقرابة، بحيث يكون الأقارب والأصدقاء فى المراتب الدنيا تحت رعاية ووصاية ذوى المراتب العليا. ويكثر هذا النوع من الوصاية عندما تغيب مفاهيم العدالة فى منح الفرص الوظيفية. وفى هذه الحالة تتشكل التنظيمات من شبكات قرابية وشخصية، الأمر الذى يؤدى إلى ازدواجية فى الأدوار، فلا يعرف الشخص تفرقة بين مصطلحات الإدارة ومصطلحات القرابة أو الصداقة. وعلى الطرف الآخر يظهر نمط متطرف آخر نابع من الوصاية القسرية التى يفرضها الأقوياء على الضعفاء، والتى تشى بقدر من ممارسات التنمر والتهميش والاستبعاد. ويعبر هذا النمط عن قدر من الانحراف فى الممارسات الإدارية، وهو يصل بالإدارة إلى منعطف خطير.

وفى النهاية فإن علينا أن ننتبه إلى أن انتشار الوصاية بأشكالها المختلفة، يؤدى بالإدارة إلى الدخول فى حالة مرضية تعطلها عن أداء مهامها بنجاح وحيادية وعدل، وإذا كانت الوصاية بشكل عام تؤدى إلى هذه الحالة، فإن أشكالها الشاذة قد تؤدى إلى مرض عضال لا شفاء منه.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: