رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الخاسرون فى حرب غزة

دخلت الحرب على غزة شهرها الخامس ولم يستطع العالم أن يحسم قرارا أو يتخذ موقفا حادا أمام موقف أمريكى متآمر وإصرار إسرائيلى على تنفيذ مخطط مشبوه بدعم غربى، ولكن هناك شواهد كثيرة تؤكد أن الزمام قد يفلت وأن ما رأيناه كان مجرد مشاهد قصيرة وأن الزلزال الأكبر قادم.

> بدأ الحديث عن المكاسب والخسائر وما خلفته الحرب على غزة رغم أن الأحداث مازالت حتى كتابة هذه السطور تتصاعد وقد تصل إلى أبعاد أكثر .. إذا فتحنا ملفات الخسائر فهناك أطراف كثيرة سقطت فى ميدان المعركة، كانت أمريكا أول الخاسرين حين دفعت بقواتها ما بين البحر والجو إلى المنطقة العربية دون مراعاة لمصالحها وبترولها وقواعدها العسكرية وأموال العرب فى بنوكها .. وكانت الخسارة الأكبر أن الغرور الإسرائيلى أوشك أن يخرجها من اللعبة وأن إسرائيل أمام خسائرها أمام حماس لم تعد تسمع نصائح الشريك الأمريكى فى وقف القتال أو إنقاذ الرهائن خاصة أن مفاوضات باريس بين إسرائيل وحماس لم تحقق لإسرائيل هدفا من أهدافها ..

> على جانب آخر فقد تورطت أمريكا فى حرب مع اليمن وكما فشلت إسرائيل فى حربها على غزة فشلت أمريكا فى حربها ضد الحوثيين .. ولم تستطع أمريكا أن تقترب من إيران، وكان هناك اتفاق سرى بين واشنطن وطهران على هذا السيناريو أن يكون اللعب فى نطاق حدود مرسومة .. على جانب آخر فإن المؤكد أن الرئيس بايدن شخصيا سوف يدفع ثمن مغامرته مع إسرائيل فى الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر المقبل لأن حالة الرفض فى الشارع الأمريكى ضد بايدن قد وصلت إلى مداها بسبب موقفه المتآمر مع إسرائيل وانه شريك فى حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطينى وقد يصل الأمر إلى محاكمته مع نيتانياهو وقيادات الجيش الإسرائيلى .. كانت أمريكا من أوائل الخاسرين فى حرب غزة وسوف تخرج منها كما خرجت من أفغانستان بفضيحة دولية..

> وقد خسرت إسرائيل الحرب وهى أكبر خسارة لحقت بإسرائيل منذ إعلان قيامها فى قلب العالم العربى لأنها أطول حروبها زمنا، ولأنها لم تحقق شيئا من أهدافها ولأنها أكبر معركة خاضتها المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الإسرائيلى.. وإذا كانت غزة قد ودعت الآلاف من أبنائها فإن الخسائر البشرية التى لحقت بإسرائيل تجاوزت كل حروبها السابقة .. لقد خسرت إسرائيل هيبة الجيش الذى لا يقهر وكانت تتصور أن يدها الغليظة يمكن أن تمتد إلى أى عاصمة عربية، وأن قضية فلسطين أصبحت جزءا من التاريخ، وأن أوسلو كان مجرد مهدئات لقضية دخلت سراديب النسيان، وأن الزمن القادم سيكون زمن التطبيع وجنى الثمار، وأن الدول العربية قد باعت قضيتها وبدأت تستعد لكى تعلن وحدتها مع الكيان الصهيونى، وقد يأتى زمن تعلن فيه تل أبيب احتلال عضوية فلسطين فى الجامعة العربية .. إن الشيء المؤكد أن إسرائيل خسرت كل شيء فهى لم تستطع القضاء على حماس بعد أربعة أشهر من الحرب، ولم تستطع أن تخرج شعب غزة من وطنه، ولم تستطع أن تنفذ برامجها فى التطبيع مع دول عربية كانت مهدت كل شيء لاستقبال مواكب التطبيع، وقبل هذا فإن تكنولوجيا الحرب لم تحسم المعارك لمصلحتها رغم الدعم الأمريكى الأوروبى الرهيب ..

> سوف تحتاج إسرائيل أن تعيد حسابات كثيرة مع نفسها ومن سيبقى من شعبها فى أرض فلسطين ومن سيرحل، وسوف تحاول إعادة جسورها مع العالم بعد أن شوهت الدماء صورتها، وسوف تحتاج إلى دعم ينقذ اقتصادها لتعيد بناء جيشها وإطعام شعبها، وبعد ذلك كله سوف تحتاج إلى علاجات نفسية لآلاف الجرحى والمصابين وعائلات كثيرة خسرت أبناءها .. إن حرب غزة لم تكن جولة عابرة ولكنها لحظة تاريخية سوف تراجع بعدها كل المواقف وهى المرة الأولى التى راهنت فيها إسرائيل على الزمن وخسرت الرهان..

> لا شك فى أن أطرافا عربية كثيرة خرجت بخسائر كبيرة من حرب غزة، أولى هذه الخسائر هى حالة الانقسام التى اقتحمت الواقع العربى ما بين المطبعين والرافضين، وللأسف الشديد فإن الشعوب العربية شعرت بالهوان أمام المذابح التى لحقت بأطفال غزة ونسائها وبيوتها وشوارعها.. وكان العذاب الأكبر أن غزة بدأت تعانى نقص ضرورات الحياة طعاما وماء ودواء وسكنا ودخلت الشعوب العربية فى حالة عجز كامل أمام الجبروت الصهيونى .. كانت صور الآلاف الذين يدفنون فى مقابر جماعية فى الشوارع صورة مخزية وحزينة، وكانت البيوت المنهارة وتحتها آلاف الشهداء تحرك آلام الشعوب العربية .. وللأسف الشديد كانت مواكب الشهداء أكبر إدانة لشعوب عجزت أن تمد يدها لشعب عربى تكالبت عليه عصابات الموت والطغيان ..

> لقد أعادت حرب غزة للقضية الفلسطينية مكانها فى ضمير الملايين فى العواصم العربية وإن عجزوا عن المشاركة حتى بالصراخ .. كانوا يشاهدون مواكب الرفض تطوف العالم وهم قابعون فى بيوتهم لا يستطيعون حراكا.. كانت حرب غزة تجربة للشعوب العربية وما ينتظرها من الجبروت الوحشى الذى اجتاح غزة وأن هذا الكيان البغيض يمثل تهديدا لكل شعوب المنطقة، وأن على العرب أن يفيقوا من نوبات التطبيع والسلام العاجز .. أما غزة وشعبها المقاتل فقد دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه وأن كرامة الأوطان فى صمود أبنائها وسوف يذكر التاريخ أن غزة حاربت دفاعا عن أمتها وقدمت أغلى الشهداء دفاعا عن الأرض والكرامة وسوف يقف العالم أمام ملحمة الصمود فى غزة ويدرك أن للحرية ثمنا يدفعه الشرفاء وأن الطغيان لا يبنى أوطانا ولكنه يحفر قبورا لتجار الموت فى كل زمان..

> لا يستطيع أحد حتى لو كان مغرضا أن ينكر أن المقاومة الفلسطينية قد أعادت القضية الفلسطينية إلى اهتمام الرأى العام العالمى والمؤسسات الدولية وحركت شباب العالم لكى يخرج فى مظاهرات حاشدة يدين الوحشية الإسرائيلية ضد شعب يدافع عن أرضه .. ولأول مرة منذ اتفاقية أوسلو يعود الحديث عن دولة فلسطينية كحق مشروع للشعب الفلسطينى وقبل ذلك كله فإن الخسائر البشرية فى الجيش الإسرائيلى كان حدثا فريدا اهتزت به أركان المجتمع الإسرائيلى وهذا يؤكد أن غزة لم تخسر وحدها هذه الأعداد من الشهداء .. إن الشيء المؤكد أن ما حدث لم يكن مغامرة قادتها حماس ولكنها كانت معركة حقيقية ضد محتل غاصب.

 

..ويبقى الشعر

السَّقْفُ يَنزِف فَوْقَ رَأْسِي

وَالْجِدَارُ يَئِنُ مِنْ هَوْلِ المَطَرْ

وأَنا غَرِيقُ بَيْنَ أَحْزَانيِ

تُطَارِدُنِى الشَّوَارِعُ للأزقةِ .. لِلْحُفَرْ

فِى الوَجْهِ أَطْيَافُ مِنَ المَاضِي

وَفِى الْعَيْنَيْنِ نَامَتْ كُلُّ أَشْبَاحِ السَّهَرْ

وَالثَّوْبُ يَفْضَحْنِى وحول يَدَى قَيْد لَسْتُ أذكر عُمْرَهُ لَكِنَّهُ كُلُّ العُمرْ

لا شيء فِى بَيْتِى سِوَى صَمْتِ اللَّيَالِى

والأمَانِى غَائِمِاتٌ فِى الْبَصَرْ ...

وَهَنَاكَ فِى الرُّكْنِ البَعِيدِ لُفَافَةٌ

فِيهَا دُعَاءُ مِنْ أَبِي

تَعْوِيدَةٌ مِنْ قَلْبِ أَمِّى.. لَمْ يُبَارِكْهَا الْقَدَرْ

دَعَوَاتُهَا كَانَتْ بِطُولِ العُمْرِ

وَالزَّمَنِ العَنِيدِ المُنْتَصِرْ .

أَنَا مَا حَزِنَتُ عَلَى سِنِينِ العُمْرِ

طَالَ العُمْرُ عِنْدِى .. أَمْ قَصُرْ

لَكِنَّ أَحْزَانِى على الوطن الجريحِ

وَصَرْخَةِ الْحُلْمِ البَرَاءِ الْمُنْكَسِرْ

>>>

فَالَمَاءُ أَغرَقَ غُرْفَتِى

وَأَنَا غَرِيبٌ فِى بِلادِ اللَّهِ

أدْمَنْتُ الشواطئ والمنافى والسَّفَرْ

كمْ كُنْتُ أَبْنِى كُلَّ يَوْمٍ أَلفَ قَصْرٍ..

فَوْقَ أوراقِ الشَّجَرْ.

كَمْ كُنْتُ أَزْرَعُ أَلْفَ بُسْتَانٍ عَلَى وَجْهِ القَمَرْ...

كَمْ كُنتُ الْقِى فَوقَ مَوْجِ الرَّيحِ أَجْنِحَتىِ

وَأَرْحَلُ فِى أَغَارِيدِ السَّحَرْ ..

مُنْذُ انْشَطَرْتُ عَلَى جِدَارِ الْحُزْنِ

ضَاعَ الْقَلْبُ مِنِّى .. وَانْشَطَرْ

وَرَأَيْتُ أَشْلَائِى دُمُوعاً فى عُيُونِ الشَّمْسِ

تَسْقُطُ بَيْنَ أَحْزَانِ النَّهرُ ..

وَغَدَوْتُ أَنْهَاراً مِنْ الكَلِمَاتِ..

فِى صَمْتِ اللَّيَالِى .. تَنْهَمِرْ

قَدْ كُنْتُ فِى يَوْمٍ بَرِيءَ الْوَجْهِ

زارَ الخُوفُ قَلْبِى .. فَانْتَحَرْ ..

وحدائقى الخَضْرَاءُ مَا عَادَتْ تُغَنِّى مثلما كَانَتْ..

وَصَوْتِى كَانَ فِى يَوْمٍ عَنِيداً .. وَانْكَسَرْ

وَلَدَيَّ مِنْ عُمْرِى وَذِكْرَى الأَمْسِ .. بَعْضٍ مِنْ صُوَرْ

فَلْتَنْظُرِى صُوَرِى فَإِنَّ الْأَمْسَ أَحْيَانًا

يَكُونُ عَزَاءَ يَومٍ .. يَحْتَضِرْ

هَلْ تَسْمَحِينَ بِأَنْ يَنَامَ عَلَى جُفُونِكِ لَحْظَةً

طِفْلٌ يُطَارِدُهُ الْخَطَرْ هَلْ تَسْمَحِينَ لِمَنْ أَضَاعَ الْعُمْرَ أَسْفَارًا

بِأَنْ يَرْتَاحَ يَوْمًا .. بَيْنَ أَحْضَانِ الزَّهَر ..

إِنِّى لَأَفْزَعُ كُلَّمَا جَاءَتْ خُيُولُ اللَّيْلِ نَحْوِي

يَحْتَوِينِى الْهَمْ يَخْنُقُنِى الضَّجَرْ

اعْتَدْتُ أَنْ تَعْوِى كِلابُ الصَّيْدِ فِى قَدَمِى..

تُحاصِرُنى .. وَتَعْبَثُ فِى عُيُونِي

كُلَّمَا الجَلادُ فِى سَفَةٍ أَمَر ..

إِنِّى أَخَافُ عَلَى ثِيَابِكَ مِنْ ثِيابي

كُلُّ مَا أَرْجُوهُ بَعضُ الأَمْنِ..

عِطْرٌ .. دَنْدَنَاتٌ مِنْ وَتَرْ

لا تَخْجَلِى إِنْ كَانَ عِنْدَكِ بَعْضُ أَصْحَابٍ

وَجِئتُ بِثَوْبِى الْعَارِى بِبَابِكِ أَنْتَظِرْ

لَكِنَّهُ حُزْنُ الصَّقِيعِ وَوَحْشَةُ الغُرَبَاءِ فِى لَيْلِ الْمَطَرْ

فَالنَّاسُ حَوْلِى يُهْرَعُونَ.

وَفِى ثِيَابِى نَهْرُ مَاءٍ ..

وفى عيونى بَحْرُ دَمْعِ .. بَيْنَ أَعْمَاقِى حَجَرٌ

وَأُرِيدُ صَدْرًا لَا يُسَاوِمُنِى عَلَى عُمْرِي

وَلَا يَأْسَى عَلَى مَاضٍ عَبَرْ

فَالعُرْى أعرفُه .. وأَعْرِفُ أَنَّ مِثْلِي

فِى زَمَانِ الرِّقَ مَطْلُوبٌ ..

وأَنَّ الحِرْصَ لَنْ يُجْدِى .. وَلَنْ يُغْنِى الحَذَرْ

إِنِّى سَأَرْحَلُ عِنْدَمَا يَأْتِى قِطَارُ اللَّيْلِ

لاَ تبكى لأجْلىِ

لاَ تَلُومِى الْحَظَّ إِنْ يَوْمًا غَدَرْ

فأَنَا وَحِيدٌ فى ليالِى البَرْدِ..

حَتَّى الْحُزْنُ صَادَقَنِى زَمَاناً

ثُمَّ فِى سَأَم .. هَجَرْ ...

إِنِّى أَحِبُّكِ

رَغْمَ أَنَّ الْحُبَّ سُلْطَانُ عَظِيمٌ .

عَاشَ مَطْرُودًا.. وَكمْ دَاستْهُ أقَدَامُ الَبشَرْ

إنِّى أَحِبُّكِ ..

فاتْركيِنى الآن فيِ عَيْنَيْكَ أَغْفُو

إِنَّ خَلْفَ البَابِ أَحْزَانَا .. وَعُمْراً يَنْتَحِرْ

كُلُّ العَصَافِيرِ الْجَمِيلَةِ أَعْدَمُوهَا

فَوْقَ أَغْصَانِ الشَّجَرْ

كُلُّ الخَفَافِيشِ الْكَئِيبَةِ

تَمْلأُ الشُّطَانَ .. تَعْبَثُ فَوْقَ أَشْلَاءِ النَّهَرْ

>>>

لَا تَحْزَنِي

إِنَّ الزَّمَانَ الرَّاكِعَ الْمَهْزومَ لَنْ يَبْقَى

وَلَنْ تَبْقَى خَفَافِيشُ الحُفَرْ

فَغَدًا تَصِيحُ الْأَرْضُ فَالطُّوفَانُ آتِ ..

والبَرَاكِينُ الَّتِى سُجِنَت أَرَاهَا تَنْفَجِرْ

والصُّبْحُ هَذَا الزَّائِرُ الْمَنْفِيُّ مِنْ وَطَنِي

يُطِلُّ الْآنَ .. يَجْرِى .. يَنْتَشِرْ

وَغَدًا أَحِبُّكِ مِثْلَمَا يَوْمًا حَلمْتُ..

بِدُونِ خَوْفٍ أَوْ سُجُونٍ .. أَوْ .. مَطَرْ

قصيدة «أحزان ليلة ممطرة» سنة 1997

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: