رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حدود مصر..القدر والمصير

فى العالم الغربى يقيِّمون العقارات والمنشآت بموقعها قائلين إن أهم ثلاثة أشياء فى أى عقار أو منشأة هو «الموقع، الموقع، الموقع». إذا طبقنا هذه النظرية على مصر، فسنجد أنها تنعم بموقع متميز وفريد.لقدلعبت مصر دوراً أساسياً فى ربط البلدان الأوروبية والآسيوية والأفريقية ببعضها البعض تاريخياً وجغرافياً وسياسياً، فإذا فحصت خريطة العالم، فمن المؤكد أنك سترى مصر فى المركز. فمصر تقع على مفترق طرق ثلاث قارات فى الركن الشمالى الشرقى من أفريقيا، ويحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الشرق البحر الأحمر. لقد جنت «أم الدنيا» فوائد هذا الموقع المتميز لآلاف السنين.

لكن فى الآونة الأخيرة، فرض موقعها الاستراتيجى هذا تحديات لا حصر لهاووضعها وسط كوارث جيوسياسية وفرض عليها ضغوطًا اقتصادية وسياسية وأمنية. تواجه مصر، عبر حدودها الشرقية والجنوبية والشرقية أى عبر ليبيا والسودان وغزة اضطرابات حرجة من شأنها زعزعة سيادة مصر على حدودها، كما أن موقعها المتميز هذا قد يؤثر بالسلب، نظرًا لأن مصر قد لا يكون لديها خيار عدم التورط أو الانخراط فى العديد من هذه النزاعات المسلحة المحيطة بها.

لقد وقفت مصر دائمًا إلى جانب ليبيا وسعت إلى حل أزماتها. ويقول عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبى فى شرق ليبيا: من المستحيل أن تتخلى مصر عن ليبيا، فهذا لم يحدث فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل فإن الشعبين الليبى والمصرى مرتبطان بالدين والقرابة وعلاقات حسن الجوار والمواقف التاريخية والحدود المشتركة وهواجس الأمن القومى المشتركة.

لكن انعدام الأمن فى ليبيا يشكل تهديدا مباشرا لمصر. وحتى لو هدأ الوضع الحرج فى ليبيا بعض الشيء، فقد يتم اختراق الحدود المصرية مع ليبيا ذات الــ ١١١٥ كيلومترًا، من قبل مهربى الأسلحة وفصائل الميليشيات والجهاديين الخطرين. ومصر، التى تشعر بالقلق إزاء أى توغلات، تعمل بجِد على حماية حدودها الممتدة.

تمتد جذور العلاقات المصرية السودانية عبر التاريخ، لذلك فإن الصراع الحالى فى السودان بين التكتلات المختلفة يُشكل تهديداً آخر على مصر. التوغلات عبر الحدود من قبل الجماعات المسلحة ومهربى الأسلحة والمتاجرين بالبشر موجودة، والأهم أن مصر حل عليها أكثر من ٣٠٠ ألف مهاجر سودانى فى الآونة الأخيرة.

واليوم حرب غزة تحل على عتبة مصر من الشمال الشرقى، لتبدو مصر كما لو كانت محاصرة بين جبهات حرب مختلفة، ولتجنى نتائج موقعها. فى خضم الإبادة الجماعية التى تحدث فى غزة، رحبت مصر بالجرحى لكنها أصرت على ألا تستقبل أى لاجئين من غزة، لأنه أولاً لن يُسمح لهم بالعودة أبداً، وثانياً، ستكون سيادة غزة على المحك فى نهاية المطاف. والأهم أن الفلسطينيين بشر، وليسوا أشياء تنقل حسب أهواء إسرائيل ودول الغرب.

ومع ذلك، فإن الوزراء الإسرائيليين وصهاينة العالم يعتقدون خلاف ذلك، ولم يلمِّحوا إلى هذا المخطط فحسب، بل تحدثوا عنه بصراحة. وعندما سُئلت عن المكان الذى كان ينبغى أن يذهب إليه سكان غزة، قالت نيكى هيلى، المرشحة لمنصب الرئاسة الأمريكية، التى أعمتها الدعاية الإسرائيلية وأثقلها دعم اللوبى الإسرائيلى: كان ينبغى للفلسطينيين أن يذهبوا إلى معبر رفح وكانت مصر ستعتنى بهم، وهو رد مثير للسخرية. كما صرح نيتانياهو بأنه يجب على إسرائيل استعادة ممر صلاح الدين المعروف بممر فيلادلفيا، وهو شريط ضيق يمثل الحدود بين مصر وغزة، وهو انتهاك واضح لاتفاقيات كامب ديفيد. واليوم تسعى إسرائيل الى اجلاء رفح الفلسطينية ثم اجتياحها متجاهلة التحذيرات الدولية من نتائج هذا الهجوم. هذا الامر قد يؤدى الى مواجهة مباشرة على حدودنا.

كما أثارت الحرب على غزة مواقف انتقامية على عدة جبهات، احداها جاءت من القوات الحوثية اليمنية. وشن الحوثيون سلسلة من الهجمات بطائرات بدون طيار وصواريخ على إسرائيل، سقط بعضها على الأراضى المصرية. كما استهدفوا السفن المتجهة إلى إسرائيل فى البحر الأحمر. ودفع ذلك العديد من شركات الشحن إلى تحويل سفنها عن البحر الأحمر، وبالتالى تعطيل تدفق السفن عبر قناة السويس. واليوم، انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة ٤٠ فى المائة.

كيف تتعامل مصر مع تحديات حدودية واحدة تلو الأخرى؟ تتمتع مصر بقبضة قوية وفعالة على حدودها، لكنها لن تغامر بالدخول فى حروب لا صلة لها بها، وهو ما من شأنه زعزعة استقرارها وتحطيم جهود التنمية فى البلاد. إلا أن مصر ستظل وسيطا قويا، ومقدما للمساعدات الإنسانية والطبية، وداعية للسلام والوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات.

وستظل مصر قلب العالم العربى والشرق الأوسط. وستظل صامدة فى تقديم الدعم للدول المجاورة المحاصرة والتفاوض على قرارات السلام والمساعدات الإنسانية.


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: