استحوذت القضية الفلسطينية على اهتمام مصر ومنذ نشأتها وفى فترات زمنية مختلفة أى منذ عام 1948 وحتى الآونة الراهنة، وقد كانت مصر من أولى الدول العربية التى خاضت حرب 1948 واستمر الدور المصرى المرتبط بالقضية الفلسطينية فى أعوام 1956، و1967، و1973، كما كانت مصر أيضا رائدة فى خوض معركة السلام والذى كان يعبر أيضا عن معركة حقيقية، ويمكن تأسيسا على ذلك القول باستمرارية الاهتمام المصرى بالأشقاء الفلسطينيين وقضيتهم فى جميع الأوقات أى فى أوقات الحرب، وفى أوقات السلم وسواء على المستوى الدبلوماسى، أو السياسى، أو الإنسانى، وكانت مصر تبادر دوما فى فترات الاعتداء على الأشقاء الفلسطينيين وخصوصا فى غزة إلى القيام بدور فعال فى تحقيق التهدئة، واعادة الإعمار، وإدخال المساعدات الإنسانية، ويلاحظ أن الجهود المصرية والاهتمام بالقضية الفلسطينية هو ظاهرة ملحوظة سواء على المستوى الرسمى، أو على المستوى الشعبى، وقد ظهر ذلك بصفة خاصة فى الأزمة الأخيرة، والمتمثلة فى الاعتداء الإسرائيلى الوحشى على غزة، ويمكن فى هذا الإطار الإشارة إلى عدة محاور رئيسية تعكس الاهتمام المكثف من جانب مصر بقضية الفلسطينيين والعمل على تخفيف المعاناة التى يتعرض لها الشعب الفلسطينى وذلك على النحو التالى:
أولا: الجهود الدبلوماسية، حيث بذلت مصر جهودها المكثفة خصوصا على مستوى الدبلوماسية الرئاسية أو دبلوماسية القمة وذلك من خلال التواصل الدائم مع قادة أو زعماء الدول المختلفة وتأكيد ثوابت الموقف المصرى فى هذا الشأن والمتمثلة فى رفض التهجير القسرى للفلسطينيين إلى أى مكان آخر ورفض أعمال العنف التى تحدث ضد المدنيين العزل من جيش مسلح بأحدث الأسلحة ودعوة المجتمع الدولى إلى اتخاذ موقف أكثر إنصافا ورفض سياسة الكيل بمكيالين أو المنطق المعكوس، كما قامت مصر بجهود دبلوماسية للتوصل إلى هدنة والعمل على التهدئة، كما قدمت مصر مقترحات تهدف إلى نزع فتيل الأزمة الراهنة، والمنطق فى ذلك أنه إذا لم يتم احتواء الأزمة فإن آثارها يمكن أن تتعدى أطرافها المباشرة وبحيث تنجرف فيها أطراف أخرى اقليمية أو دولية، ويمكن القول إن الجهود الدبلوماسية المصرية النشطة قد ساعدت على تخفيف حدة التأييد المطلق لإسرائيل من جانب بعض الدول والقوى المؤثرة والتى تقبلت منطق عدم تهجير الفلسطينيين إلى أى مكان آخر وأهمية وجود أفق سياسى للقضية الفلسطينية للتخلص من حلقة العنف المفرغة.
ثانيا: الجهود الإنسانية: حيث كان لمصر دورها المقدر على المستوى الإنسانى فى الأزمة الأخيرة فى غزة ودعوتها إلى إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، حيث استقبلت مصر فى مطار العريش مساعدات من دول مختلفة ويتم نقلها عبر متطوعين مصريين إلى غزة عبر معبر رفح، وذلك بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية والإغاثية المقدمة من مصر فى شكل أغذية أو مستلزمات طبية، كما استقبلت مصر أيضا الجرحى والمرضى الفلسطينيين للعلاج فى المستشفيات المصرية ، كما قامت مصر بانشاء مخيمات للفلسطينيين فى جنوب غزة مما يعبر عن التوافق بين وجهتى النظر المصرية والفلسطينية، فمصر تعارض تهجير الفلسطينيين إلى خارج أرضهم، وفى الوقت نفسه فإن وجهة النظر الفلسطينية هى التمسك بأرضهم والبقاء فيها حتى لا تتكرر نكبة 1948، كما قامت مصر أيضا بالتعاون مع قوى وأطراف اقليمية عربية من أجل العمل على تهدئة الأوضاع فى غزة وخصوصا فى ظل تشابك العديد من الموضوعات مثل ايقاف اطلاق النار واستمرارية المساعدات الإنسانية والأسرى، ولذلك فالجهود المصرية المكثفة مستمرة فى هذا الإطار.
ثالثا: الجهود السياسية: حيث تتلخص وجهة النظر المصرية فى هذا الشأن فى أهمية علاج المشكلة الأساسية من جذورها وليس أعراضها فقط، فالعنف المتكرر سببه عدم وجود أفق سياسى للقضية الفلسطينية يعطى الأمل للفلسطينيين أن يكون لهم دولتهم المستقلة، ولذلك فإن الأمر يتطلب إيجاد حل جذرى للقضية الفلسطينية والمتمثل فى حل الدولتين وذلك وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ووفقا لمبادرة السلام العربية ويقصد بذلك أن تبدأ الجهود الجادة بمتابعة دولية لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وأن تكون تلك الدولة مستقلة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، واذا تحقق ذلك تزول حلقة العنف المفرغة والتى تطرح آثارها السلبية على منطقة الشرق الأوسط وعلى العالم، وينطوى بذلك ملف قضية أو مشكلة من أعقد المشكلات التى واجهت العالم طوال ثلاثة أرباع قرن من الزمان .
ونتيجة لهذه الجهود المصرية المتعددة الأبعاد فى الاهتمام بالقضية الفلسطينية فإن هذه القضية تأتى فى بؤرة اهتمام السياسة الخارجية المصرية، سواء على المستوى الدولى، أو المستوى العربى باعتبارها قضية العرب الأولى ودور مصر فى العمل على الوصول إلى حل سياسى يحقق المصالح الفلسطينية ويعبر عن قرارات الشرعية الدولية.
> أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة
لمزيد من مقالات د. إكرام بدرالدين رابط دائم: