رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معضلات إدارية..إعادة إنتاج القبلية

تعد القبلية إحدى السمات الجوهرية فى النظام التقليدى القديم. وتنبع القبلية من التعصب للأرحام، أو كما يقول ابن خلدون بالالتصاق بالنسب والنعرة على ذوى القربى ويحقق النظام القبلى فى المجتمع التقليدى وظائف عديدة تبدأ من الوظيفة الإنتاجية حيث تساعد القبيلة فى تنظيم العمل وتقسيم الأدوار ووضع أسس لتوزيع الكلية والعائد من العمل، وضمان التعاون والمساندة فى العمل بين أعضاء الأسرة الواحدة من ناحية وبين أفراد القبيلة ككل من ناحية أخرى. كما تحقق القبيلة لأعضائها نظاماً مستداماً من الحماية، حيث يشعر كل عضو فى القبيلة بالأمن والاطمئنان طالما له علاقة وطيدة بالقبيلة. فالرابطة القبلية هى المصدر الرئيس للشعور بالأمن ويتحقق ذلك بقدر كبير من الولاء والانتماء من جانب أفراد القبيلة تجاه قبيلتهم، وهم يعرفون جيداً أن القبيلة يمكن أن تلفظهم وتحرمهم من الحماية فى حالة الخروج عن قوانينها. وتعمل القبيلة ككيان كلى على حفظ التوزان مع القبائل الأخرى، ومن ثم تحقق قدرا من الاستمرارية فى الوجود،مع توفير قدر من الأمن الجماعى فى العلاقة بالقبائل الأخرى.

ويفترض أن تختفى هذه العلاقات عندما ندخل إلى عالم الحداثة، خاصة فى نظمه الإدارية الحديثة التى تقوم على العقلانية والحوكمة الرشيدة بما فيها من قيم للثقة والشفافية. لا مكان هنا للمصالح الشخصية أو العلاقات الشخصية أو التشلل القرابى أو غير القرابي. ولكن واقع الحال يكشف عن هذه الأطر المثالية للإدارة لم تستقم على عودها على النحو المأمول، فالأفراد القائمون على شئون الإدارة قد استعذبوا الثقافة التقليدية التى جاءوا منها وما تحمله من قيم عائلية وقبلية، تلك التى أعيد إنتاجها بأساليب مختلفة داخل التنظيم الإداري. لا أدعى هنا أن كل التنظيمات الإدارية هى تنظيمات عائلية أو قبلية، ولكن افترض أن قيم العائلة والقبلية، تطل برأسها عبر بعض الممارسات، بل إن نظماً إدارية قد تقع برمتها فى شباك هذا الأسر القبلي. وسوف أحاول فيما تبقى من هذا الحديث أن أقدم نماذج على هذه العملية التى يتم بمقتضاها إعادة إنتاج القبلية فى التنظيمات الإدارية. وإذا كانت القبلية تعرف بالنعرة على ذوى القربى، فإننا نصادف أولاً هذه الصنوف من التحيز والهوى فى منح الفرص الوظيفية الشاغرة فى التنظيم الإدراي. لقد استشرى هذا الأمر فى جسد الجهاز الإدارى، وأصبح سمتاً فى بعض الأجهزة، بل إن تكراره واستمراره قد أدى إلى خلق ثقافة مجتمعية تؤمن بالتحيز وتعتبره مبدأ حياتياً، وتفقد الثقة فى المؤسسات الرسمية وألا سبيل إلى الحصول على الحق إلا من خلال شخص آخر يأخذ باليد ويقدم المساعدة إذا كان يملك إلى ذلك سبيلاً. ويعكس هذا الأمر مؤشراً ثانياً دالاً على قوة التحيز والهوى، وهو يتمثل فى عجز المؤسسات الإدارية أن تطور مبدأ للمساواة العمومية، وهو مبدأ ضرورى يحكم خضوع العمل الإدارى التام إلى حكم القانون. ولا يتعلق هدر مبدأ العمومية بالتحيز فى منح الفرص فقط، بل يتعلق باستخدام معايير مزدوجة فى تقديم الخدمة داخل المؤسسة. وتبدأ هذه المعايير المزدوجة بالمعارف والأصحاب، ولكنها عندما تستشرى وتصبح ثقافة، فإنها ترتبط بأشكال من الفساد (الذى يطلق عليه الفساد الصغير) حيث يرتبط تقديم الخدمة بتحقيق مصلحة مادية أو غير مادية.

ولكن الأخطر من ذلك كله، هو أن يعاد إنتاج العلاقات القبلية داخل التنظيم الإدارى نفسه. يتم ذلك من خلال تنفيذ الأعمال من خلال جماعات لا تتشكل بناء على أطر قانونية، وإنما تتشكل بناء على أطر «شللية»، من الأفراد الذين تميل الإدارة إلى تجنيدهم، من الصحاب أوأبناء الدفعة الواحدة. هنا تتحول الإدارة من الداخل إلى علاقات أشبه بالعلاقات الأبوية التى تعرفها القبيلة، وقد التفت علماء الاجتماع إلى هذه الظاهرة، وكتب عنها بعض الباحثين من الأجانب عندما جادلوا حول أطروحة غياب المأسسة، التى تحل محلها فى الغالب علاقات تبعية حيث تلتف جماعة من الناس حول رجل كبير قادر على المنح والمنع. كما استخدم علماء الاجتماع أيضاً مفهوم القبلية الجديدة neorealism للإشارة إلى أشكال التشبيك الحديثة داخل التنظيمات، وبين التنظيمات أو المجموعات العاملة فى مجال معين، ذاهبين إلى القول إن المجتمعات الحديثة قد تستعيد نظام القبيلة لمقاومة التأثيرات السلبية للمجتمع الجماهيرى الذى يؤسس للفردية والعزلة. ولقد آثرت أن أشير هنا إلى هذه الاسهامات البحثية فى مجال العلوم الاجتماعية، لكى أؤكد أن ما أجادل حوله من دخول القبلية إلى الأبنية التنظيمية الحديثة؛ ولكى أضيف إضافة مهمة هنا مفادها أن الحادث فى أنماطنا الإدارية ليست قبلية تضامنية تبث رأس مال اجتماعى حديث، وإنما هى إعادة إنتاج للعلاقات القديمة بكل ما فيها من سلبيات، ولذلك فإنها تتحول إلى أداة معطلة لتدفق العطاء الإداري. وأخيراً فإننى قد أشير إلى مؤشر آخر على وجود التشبيك القبلى داخل التنظيم الإداري؛ يظهر هذا المؤشر فى تتبع العلاقات داخل التنظيم وخارجه. ونحن نعرف جلياً أن التنظيمات الإدارية هى مؤسسات رسمية لا سبيل فيها إلى التشبيك الشخصي. ولكن نمط الإدارة الذى نراه فى مجتمعاتنا يلقى علينا بأساليب للتشبيك الشخصى الذى ينتقل من داخل الإدارة إلى خارجها. فكثيراً ما ينغمس رجال الإدارة العليا فى مكالمات تليفونية (أو مقابلات) بعد أوقات العمل الرسمية يعيدون فيها تأكيد ما اتخذوه من قرارات، ويتداولون فيه ما لم يستطيعوا تداوله فى العلن، ويعبرون عن مشاعرهم تجاه أفعالهم وأفعال الآخرين بحرية تامة. ويستغرق هذا الأمر جانباً كبيراً من الوقت، كما يتطلب جهداً كبيراً، فضلاً عن ما يعرضه من مشقة للعمل تطاول حياة الأسرة. يقع الموظف العام هنا فى فخ قبلية من نوع مختلف، وغالباً ما يأسره هذا الفخ، فيصبح هذا النوع من السلوك أسلوب حياة ينعكس على حياته الشخصية ومدى استمتاعه بها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: