رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معضلات إدارية..إعادة إنتاج التقاليد (1)

حاولت فى المقال السابق أن أحدد بعض معالم الإدارة المثالية والقيم التى تحكمها، وأحاول فى متوالية من المقالات أن أعرض لأهم المعضلات التى تبعد الإدارة فى مجتمعنا عن هذا النمط المثالى وتجعلها غير قادرة على أن تحقق قدرًا من الرضا العام من قبل المتعاملين معها، نتيجة العجز فى التوافق مع المعايير المثالية للإدارة (أو البيروقراطية). وننطلق فى هذا الصدد من فرضية عامة أكاد أدافع عنها بقوة، مفادها أن هذه الإدارة التى يفترض أن تكون إدارة حديثة متواكبة مع معطيات الحداثة وقيمها قد استهوتها الثقافة التقليدية التى حملها معهم القائمون على شئون هذه الإدارة من مجتمعاتهم التى نشأوا فيها فى الريف والبادية خاصة. لقد أخذوا من الثقافة الحديثة أشكالها الإدارية والقانونية، ولكن القيم التى ارتضوا أن تحكم سلوكهم، والأساليب السلوكية التى مالوا إليها جاءت من مرجعية تقليدية. ولقد ترتب على ذلك أن أصبحت الجوانب الحديثة فى الإدارة شكلًا خاليًا من المضمون، وأصبح المضمون مستمدًا من الثقافة التقليدية، فأصبحت الإدارة قاصرة على أداء وظائفها، وأصبحت مكانًا لإعادة إنتاج قيم وأساليب سلوكية لا تتلاءم بالضرورة مع المتطلبات الإدارية.

وسوف أبدأ فى هذا المقال بالحديث عن خصيصة من خصائص المجتمع التقليدى وهى تتمثل فى الميل الدائم نحو الانغلاق على الذات، وتكوين علاقة مع الآخر تقوم على الشك وعدم الاطمئنان. نصادف هذه الخصيصة فى المجتمعات التقليدية، خاصة المجتمعات الانقسامية Segmentary التى تقوم على نظام قبلي-عشائرى، أو حصصى كما كان سائداً فى الريف المصرى لفترات طويلة. يتكون المجتمع الانقسامى من جماعات (أو حصص) مستقلة، يقف على رأس كل جماعة زعيم أو رئيس، يرجع إليه فى كثير من الأمور التى تخص أفراد الجماعة، أو المشكلات التى قد تعن لهم فى مسار حياتهم. وتعيش هذه الجماعة مع جماعات أخرى لكل منها استقلالها النسبى، أو حتى هويتها الخاصة التى تتعمق عبر أساليب التنشئة الاجتماعية للصغار، حيث يحكى الأجداد والآباء للأبناء والأحفاد تراث قبيلتهم وانتصاراتها التاريخية على القبائل الأخرى. ورغم أن الأفراد داخل المجتمع الانقسامى يعرفون أنهم ينتمون إلى مجتمع أكبر (قرية أو تجمع سكانى أكبر) إلا أنهم ينشأون وعيونهم على الجماعة الصغيرة، وكثيراً ما تؤكد عمليات التنشئة الاجتماعية هذا الارتباط القبلى، كما تؤكد أهمية الهيبة والشرف والمكانة التى تتمتع بها الجماعة فى مقابل الجماعات الأخرى، وأهمية أن تظل الجماعة محافظة على مكانتها عبر الزمن. وليس من الضرورى أن يكون هذا معبراً عن واقع مميز للجماعة، فكثيراً ما تبنى هذه التصورات فى الوعى بشكل مبالغ فيه ويتم تناقلها عبر الأجيال لتشكل تراثاً مميزاً للجماعة. وهى تعمل على تعميق الارتباط بالجماعة وعدم الخروج عن حدودها وعن تراثها.

ونجادل هنا بالقول بأن الإدارة الحديثة، التى شكلها أناس تشربوا هذه الثقافة، وتعمقت فى عروقهم، قد تعايشت مع هذه الثقافة الانقسامية، ونقلت بعض عناصرها فى أساليب التعامل والتفاعل داخل التنظيمات الإدارية. ونستطيع أن نورد بعض الشواهد على ذلك. ومن أكثر الشواهد وضوحاً ما يتعلق بالطريقة التى يرى بها عضو المؤسسة أو التنظيم المكان الذى يعمل فيه. إنه غالباً ما يصنف نفسه على أنه ينتمى إلى قسم معين أو تخصص معين، وينشغل به دون أن ينشغل كثيراً بهموم التنظيم ككل. تتكون هنا صورة ذهنية جزئية ـ وليست كلية ـ عن النظام الإداري؛ وينعكس هذا الأمر على طبيعة التعاون بين الأقسام أو الإدارات المختلفة. بل إن هذا التعاون قد يتحول ـ رغم وجوده فى إطاره الشكلي- إلى نوع من العداء. وغالباً ما تكون هذه الانقسامات غير ظاهرة، فهى تظل كامنة، بل أن البعض قد ينكر وجودها، فهى دائماً لصيقة بالأبنية الداخلية للنفس البشرية. وتنعكس الروح التنظيمية الانقسامية على علاقة المؤسسة بالمؤسسات الأخرى التى قد تعانى من فقدان الثقة أيضاً.

ولاشك أن هذه الروح الانقسامية تعمل على تعطيل التنظيم عن أداء مهامه بنجاح كامل. فكل شخص يغرد بطريقته الخاصة، وكل قسم يغرد بطريقته الخاصة، فيظل العزف الجماعى ضعيفاً باهتاً. وقد تعمل الميول الانقسامية داخل التنظيمات على خلق صراعات، وصور من العنف الرمزى، والممارسات المخالفة للأطر القانونية العامة. وفى حالة حدوث ذلك، فإنه يترك تأثيراً سلبياً على تحمل المسئولية، كما أنه يعمل على تكوين مراكز قوة داخل التنظيم، وينعش العلاقات غير الرسمية التى قد تكون مدخلاً إلى ممارسة الفساد الإداري.

إن الإدارة تنجح بقوتها الداخلية، وبمقدار ما تخلق ما تعاضد وتساند بين المكونات الأساسية للتنظيم الإداري. ولكن الأفراد القائمين على أداء المسئولية الوظيفية والمهنية للتنظيم قد يحملون فى رءوسهم بقايا علاقات انقسامية جاءوا بها من مجتمعاتهم التقليدية، وتعمقت فيهم عبر أساليب التنشئة الاجتماعية المختلفة، وهم بذلك لا يستطيعون التخلص منها، فيعملون على حقن جراثيم الانقسام فى جسد التنظيم، فيظل تنظيماً خاملاً. ولا نزعم بأن كل التنظيمات الإدارية تعانى من هذا الموقف، ولكنها تقترب أو تبتعد عنه بدرجات مختلفة. وعلى هذه الخلفية، يحق لنا أن نستخلص مبدأ إدارياً مهماً يجب أن نحرص عليه دائماً مفاده أن التنظيم الإدارى لا يحقق مهامه إلا بعلاقات قوية بين مكوناته المختلفة، وبقيم الثقة والمسئولية، وأن التقوقع داخل الأطر الضيقة للمصالح الفردية، أو السلطة الزائفة التى لا يحميها قانون، أو النفور والعداء مع الآخرين، تؤدى فى النهاية إلى خمول تنظيمى يمنح الأفراد حقوقاً دون أن يكون لديهم التزام بواجبات ومسئوليات أخلاقية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: