رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإدارة الرشيدة.. الأعمدة والقيم

يحتل موضوع الإدارة مساحة كبيرة من خطابنا الرسمى وغير الرسمى ونحن نتحاور حول المستقبل. وعلى أصداء هذا الحوار تتردد أصوات كثيرة تتحدث عن النجاح أو التعثر لمشروعات بعينها، فعندما تكون الإدارة رشيدة حكيمة تعتمد على أسس علمية يكون النجاح والسرعة فى الأداء، وعندما تفشل الإدارة وتذهب بعيداً عن أسسها العلمية يطل الفشل برأسه على نحو دائم. وعلى أصداء هذا الحوار تتردد آراء صائبة فى بعض الأحيان وخائبة فى أحيان أخرى حول البيروقراطية وأصول القيادة وحول القيم الحاكمة للإدارة، والفساد الإدارى. وفى كل الأحوال نسمع أصداء نقد كثير، تنسرب منه حكايات متنوعة وغريبة حول خبرات فى التعامل مع الطاقم الإدارى فى المصالح الحكومية المختلفة، وحول مقارنات مع خبرات فى التعامل مع جهات مناظرة فى دول أخرى، وجميعها تصب فى عدم رضا، وفى توق كبير لأن نرى مستويات الإدارة (العليا والوسطى والدنيا) ناجحة وقادرة. على كل هذه الخلفية سوف أسوق حديثى فى هذا المقال حول مفهوم علماء الاجتماع عن الإدارة، من حيث خصائصها (أو قل أعمدتها) والقيم الحاكمة لها؛ وهو مفهوم يصب فى نمط مثالى للإدارة يمكن أن نطلق عليه الإدارة الرشيدة فى مقابل أشكال من الإدارة غير الرشيدة التى تتعثر لأنها غالباً ما تهاجر عن هذه الخصائص أو تلبسها أثواباً غير أثوابها، فتستحيل إلى إدارة قد توصف بأنها إدارة عرجاء مبطوطة على أخف وصف. دعونا نجادل فى البداية حول أهمية موضوع البيروقراطية، الذى يتهمه الكثيرون باتهامات هو منها براء. فالتنظيم البيروقراطى هو إحدى ضرورات الإدارة، فلا سبيل إلى الاستغناء عنها فى كل أشكال التنظيم الرسمى وغير الرسمى (كالجامعات والمدارس والمصانع...إلخ)، فنحن إذ نتجه إلى الحديث عن الإدارة الرشيدة فإننا نقصد فى نفس الوقت الحديث عن البيروقراطية الرشيدة. يكتسب التنظيم الإدارى الرشيد صفته الأولى أو عموده الأول من كلمة الرشد التى تحيلنا إلى العقلانية. فهى لا تخضع قط إلى الأهواء أو الآراء والأفكار المرسلة غير المنظمة، وإنما تخضع لمنطق العقل. فلا إدارة بغير منهج عقلى يحدد أهدافها ووسائل تحقيق هذه الأهداف. ومادام أن العقل هو الحاكم لمسار تحديد الأهداف ومسارات تنفيذها، فإنها يجب أن تتجه نحو تحقيق الصالح العام، ولا تميل قط إلى تحقيق مصالح فئات بعينها، أو غرض قاصد. نستخلص من ذلك أنه عندما تحيد الإدارة عن الأهداف العامة وتتجه إلى الأغراض القاصدة، فإنها تنحرف عن سبيلها المستقيم، ويبدو أن العقل وحده لا يكفى لكى تنصاع الأهداف والقرارات إلى ما هو عام وكلى، فلابد من قاعدة ملزمة، تضع معياراً عاماً لا علاقة له بالأهواء ولا بالأغراض القاصدة. وذلك هو القانون الذى يمثل العمود الفقرى للإدارة. إن الجوهر الحقيقى للقانون هو أنه يحكم الأفراد من الخارج بقواعد ملزمة وموضوعية لا دخل للأفراد بها، ومن ثم فإنه يعمل على ضبط مسار الفعل، فيضبط الفكر، وبالتالى فإنه يضبط السلوك والقرارات المنفذة للفكر، ويوجه كل النشاط الإدارى نحو تحقيق الأهداف العامة. وعندما تنحرف الإدارة عن الالتزام بالقانون فإن الخلل يدب إلى جسدها، فينفتح الطريق نحو دخول جراثيم الفساد، فيتحول الجسد الإدارى إلى جسد مريض مترهل. وإذا ما انضبط العقل، وسار بالحق فى ركاب القانون، فلابد من ضابط آخر لمراقبة الوجدان، والعمل على ضبطه بحيث لا يتحيز ولا يسير فى غمار الهوى والذهول عن القصد. هنا يأتى العمود الثالث فى العمل الإدارى، وهو تحييد الوجدان، أى تحييد العواطف عن طريق الركون إلى التعاملات والعلاقات الرسمية التى تنظمها اللوائح المفسرة للقوانين. وعلى هذه الخلفية يعلمنا رجال الإدارة أن لا علاقات شخصية فى العمل الإداري. وإذا ما وجدت هذه العلاقات الشخصية، فإنها تكون خارج العمل، ولا يتعلق موضوعها بموضوع العمل من قريب أو بعيد. تحتاج الإدارة إلى علاقات متخصصة، تحدد فيها الأدوار بدقة متناهية، وبشكل موثق فى أضابير المؤسسة. ولتحقيق هذا الميل نحو استبعاد العلاقات الشخصية، فإن الأدوار يجب أن تكون محددة بدقة، وهنا يأتى العمود الرابع الذى يشدد على التدرج الهرمى للأدوار. فالإدارة لا تنتظم إلا بأدوار محددة رأسياً وأفقياً. ثمة جماعات تعمل بجوار بعضها البعض، تؤدى مهام محددة، وثمة رؤساء لهذه الجماعات. وتظل المجموعات الإدارية تضيق كلما اتجهنا إلى أعلى، ليكون هناك لكل مجموعة متشابهة من الأنشطة والأهداف رئيس يشرف عليها، وينتهى الأمر إلى الإدارة العليا بمكوناتها المعروفة. لا شىء هنا يترك للصدفة. وأخيراً يأتى العمود الخامس والأخير الذى يتمثل فى القيادة التى تحدد الأهداف، وتضع الاستراتيجيات العامة، وتراقب تنفيذ القانون. وهذه القيادة يجب أن تتصف بصفات مهمة لكى تحقق الإدارة مهامها بنجاح. من ذلك أن تكون عادلة، وقادرة على إنتاج الإدارة اللازمة لتسيير الأمور، وعلى احتواء كل أعضاء التنظيم، لا انحياز فيه ولا غلو فى استخدام السلطة إلا بحكم القانون. وعلى القيادة أن تخلق مناخاً ملائماً للعمل، يقوم على التشاركية، والتحفيز، والتنافس الخلاق، ونبذ الفرقة والتباعد؛ والعمل على تسهيل تدفق المعلومات رأسياً وأفقياً. ولا ينتظم للإدارة شأن إلا فى وجود مجموعة من القيم التى يؤمن بها كل العاملين بالتنظيم. من أول هذه القيم العدالة فى توزيع الإثابات، وإذكاء روح المساواة بين العاملين، ثم الثقة التى ينتج عنها التساند والتعاضد بين أعضاء التنظيم من ناحية، وبين وحداته المكونة من ناحية أخرى. ومن القيم الأخرى الأكثر أهمية قيم الشفافية والنزاهة والصدق فى القول والعمل، والائتمان على المال العام، والحرص الدائم على أن يكون العمل من أجل المؤسسة، والبعد التام عن العيش على ظهرها بالأخذ دون العطاء، واحترام الوقت، وعدم المبالغة فى تقدير الذات فى مقابل التقليل من ذوات الآخرين، وتقدير أعمال الزملاء، والفرح بنجاحهم وتفوقهم، والعمل الدائم على الارتقاء بالنفس فى المجال المهنى وفى مجال اكتساب القيم الجماعية والإيجابية. وإذا ما وضعنا هذه الصورة المثالية للإدارة أمامنا ونحن نقرأ الإدارة فى بلادنا، فسوف نصل إلى نتيجة مهمة مفادها أن صلاح الإدارة فى صلاح البشر، وأن ما اعتور الإدارة المصرية من مثالب قد تراكم عبر الزمن عبر تراكم منظومة الحداثة التى صنعتها الطبقة الوسطى المصرية. ولذلك فلا سبيل إلى فهم انكسارات الإدارة وكبواتها دون فهم لهذه الطبقة وانكساراتها. فقد عملت هذه الطبقة على صناعة إدارة من نوع خاص، أعادت فيها إنتاج التقاليد والموروثات القديمة.وهو موضوع يحتاج إلى عدد من الوقفات فى مقالات تالية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: