رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحرب المحتملة فى شرق آسيا

الاستعداد للحرب هل يمنع الحرب أم يدفع إليها دفعا؟ من الصعب حسم الأمر بكلمة واحدة، فهناك من يعتقد أن الاستعداد الدائم لمواجهة عدو أو أكثر يحقق الردع، ويدفع الأعداء إلى التفكير أكثر من مرة قبل القيام بأى عمل عدائى. ويعنى الاستعداد المزيد من تحديث القدرات العسكرية وإعداد بنية الدولة لمواجهة أسوأ السيناريوهات التى قد يقدم عليها العدو. وهناك اعتقاد مضاد بأن عملية التحديث العسكرى بغرض اكتساب المزيد من القوة لمواجهة المنافسين أو محاصرتهم، لا يعنى إطلاقا انتهاء فكرة الحرب والمواجهة لدى الطرف الآخر، بل قد تدفعه إلى اكتساب مصادر القوة المختلفة، وبالتالى يدخل الطرفان فى دائرة لا حدود لها من حيث الانفاق العسكرى دون أن يؤدى ذلك بالضرورة إلى منع التفكير فى الحرب، أواللجوء إليها كعمل استباقى يفجر مجمل الأوضاع.

الاتجاهان على النحو السابق يتجسدان معا فى حالة التنافس الصراعى القائمة بالفعل بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب، والصين من جانب آخر، وكما يظهر أيضا فى السلوك العسكرى لكوريا الشمالية، والذى وجه زعيمها كيم جونج أون صراحة بالاستعداد للحرب، وزيادة إنتاج الأسلحة بأنواعها التقليدية والنووية والصواريخ العابرة للقارات، ردا على ما وصفه بالاستفزازات العسكرية الأمريكية والكورية الجنوبية ضد بلاده، ممثلة فى تدريبات مكثفة ومناورات موسعة لقوات البلدين، وتستخدم فيها صواريخ مؤهلة نوويا، وقاذفات استراتيجية وغواصات تعمل نوويا. وهو توجيه يحمل معنيين؛ الأول ردع واشنطن وسيول معا من التفكير فى مهاجمة نظامه، أو التخلص منه شخصيا، والثانى الاستعداد الفعلى لعمل هجومى استباقى لوأد المخاطر المحتملة فى مهدها.

وغالبا فإن معنى الردع هو الأكثر ترجيحا لاسيما فى ضوء التهديدات الأمريكية الصريحة بالاستعداد التام لإنهاء النظام فى كوريا الشمالية ردا على أى عمل هجومى ضد سيول، وهو تهديد يجسد ما هو معروف بأن الردع النووى المتبادل مرهون أساسا بالقدرة على توجيه الضربة الثانية للخصم، ما يجعل الخسارة متبادلة ومؤكدة، وبالتالى يكون من الأفضل للطرفين عدم اللجوء إلى ضربة نووية أولى أيا كان السبب. التهديدات المتبادلة بين واشنطن وسيول وبيونج يانج ليست مجرد تصريحات وأقوال، فهى مشفوعة بتحركات فعليه، فمن جانب بيونح يانح يبرز إطلاقها 18 ديسمبر الماضى صاروخ هواسونج – 18، العابر للقارات والقادر على حمل رءوس نووية والوصول إلى الاراضى الأمريكية. ومن جانب واشنطن تبرز المناورات الضخمة التى استمرت ثمانية أسابيع مع كوريا الجنوبية فى فبراير العام الماضى، وشارك فيها أعداد كبيرة من جيشى البلدين. ويذكر أن البلدين وقعا اتفاقية دفاعية مارس العام الماضى، تضمنت التزاما أمريكيا بالرد المشترك حال قيام بيونج يانج بهجوم محدود ضد جارتها الجنوبية، وهو التزام أعلى من الالتزامات الدفاعية السابقة التى كانت تنص فقط على تدخل الولايات المتحدة اختياريا حال وقعت اشتباكات محدودة بين الكوريتين، ما يجعل واشنطن شريكا مباشرا فى الدفاع الشامل عن كوريا الجنوبية.

وفى أحدث خطوة أمريكية ذات مغزى لكل من الصين وكوريا الشمالية، ما يقوم به سلاح الجو الأمريكى لتأهيل مطارات من الحرب العالمية الثانية، وإنشاء بنية تحتية فى المنطقة بسرعة. ويبزر هنا عملية تحديث وتأهيل مطارين عسكريين يعودان إلى الحرب العالمية الثانية فى جزيرة تينيان فى المحيط الهادى، حيث انطلقت الطائرتان الأمريكيتان اللتان ألقيتا القنبلتين النوويتين، السادس من أغسطس 1945، على هيروشيما وناجازاكى فى اليابان، ما دفع الأخيرة إلى الاستسلام. وقد ظلت القاعدة مهجورة منذ العام 1945. ووفقا للناطق باسم سلاح الجو الأمريكى فى المحيط الهادئ «إن إلحاح واشنطن سمح للجيش الأمريكى تحسين» وضع الردع «بمنشآت حديثة فى المنطقة».وهو ردع موجه بالدرجة الأولى للصين، وثانيا لكوريا الشمالية. وسبق ذلك اتفاقات مع كل من استراليا واليابان والفلبين تسمح للقوات الأمريكية باستخدام 11 قاعدة عسكرية فى تلك البلدان.

خطوات الردع الأمريكية على النحو السابق، تواكبها خطوات صينية متعددة المستويات، كإنشاء عدد من القواعد العسكرية على جزر صناعية فى المحيط الهادى وبحر الصين الجنوبى، وتحديث البحرية الصينية وسلاح الجو الصينى والصواريخ البعيدة المدى. لكن يظل التفوق النسبى لصالح الولايات المتحدة استنادا إلى تحالفاتها القديمة والجديدة مع أكثر من حليف فى المحيطين الهادى والهندى.

وتدرك الصين أن هذه التحالفات الأمريكية مع اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا والفلبين وغيرها من جزر المحيط الهادى، تمثل ضغطا استراتيجيا على طموحها فى تعديل أسس النظام الدولى الذى تهيمن عليه نسبيا واشنطن، وهو الطموح الذى يجمعها مع روسيا، ويمثل لهما حافزا قويا لتعزيز علاقاتهما الاستراتيجية لتحدى الضغوط الأمريكية والغربية معا. كما تتحرك الصين بخطوات محسوبة تجاه حلمها الكبير بضم تايوان إلى الوطن الأم سلما أو بطريقة أخرى، وكثيرا ما وجهت تحذيرات مصحوبة بمناورات عسكرية حول الجزيرة وفى مجالها الجوى، بأن أى خطوة نحو إعلان الاستقلال سوف تُواجه بحزم دون أى تردد، وهو تحذير وجُه بشكل أو بآخر إلى واشنطن. ونظرا لأن التخلى عن تايوان ليس فى القاموس الصينى الذى أكده الرئيس تشى جين بينج، فى الوقت الذى ترسل فيه واشنطن إشارات متضاربة بشأن التزامها المُعلن من قبل تجاه مبدأ الصين واحدة، وتدعم دعاة ذلك سياسيا وعسكريا، ما يمثل محفزا قويا للصين لحسم الأمر بشأن ضم الجزيرة ولو بالقوة، فى اللحظة التى ستراها مناسبة فى غضون العامين المقبلين، مما يرجح اندلاع حرب كبرى سيكون لها تداعياتها على العالم بأسره، وقد يزداد الوضع كارثيا إذا اسُتدرجت كوريا الشمالية لهذه المواجهة حال اندلاعها نصرة للصين.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: