رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحوار الحضارى صورة الإسلام الحقيقية

لم تعد قضية الحوار الحضارى ترفًا فكريًّا بل باتت ضرورةً مفروضةً نتيجة للمتغيرات الكبيرة التى صاحبت ظاهرة العولمة، والأحداث الجِسام التى تمر بها دول العالم، فالحقيقة المؤكدة هى أن العالم اليوم أصبح يحتاج إلى الحوار بشكل حتمي، بوصفه أكثر الأدوات فاعليةً فى تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة فى تحقيق التقارب الإنسانى والتعايش السلمى بين الأمم، مع احتفاظ كل أمة بمقوماتها وخصوصياتها الحضارية التى تميزها.

والحوار بين الحضارات يستمد أصالته من القرآن الكريم الذى أخبرنا بحقيقة اختلافنا فى لغاتنا وألواننا وأدياننا وتوجهاتنا، وأن ذلك الخلاف خلاف دائم لا مطمع فى زواله فقال سبحانه وتعالى: «.. وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..». ومع ذلك الخلاف الذى مثَّل سنة من سنن الله فى الأرض دعا الإسلام إلى عدم الالتفات إلى وجود فروقات عِرقية أو جِنسية بين البشر، وإنما جعل معيار التفاضل بينهم هو أعمالهم التى يبتغون بها وجه ربهم، قال تعالى: «يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

ويضاف إلى ذلك، أن الرسالة المحمدية رسالة عالمية، فقد أرسل الله تعالى النبى صلى الله عليه وسلم للناس كافة، ولا يتم إيصال هذه الرسالة إلى الآفاق إلا عن طريق التواصل مع الآخر ومع كل الحضارات.

ومن هنا انطلقت الشريعة الإسلامية لتبيِّن وظيفة الحوار، وكونه الوسيلةَ المثلى للتفاهم بين أطياف البشر على اختلافها وتباينها، حتى فى أدق القضايا فقال تعالى: «وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ»؛ فإذا كان الحوار هو الوسيلة المعتمدة فى مثل هذه القضايا على أهميتها فلا شك من كونه أولى بالتطبيق فيما دونها من القضايا والمشكلات، وأولى أن يكون مبدأً عامًّا من مبادئ معالجة معضلات العلاقات الإنسانية بما فيها العلاقات الدولية.

ويُعد الحوار أحد الأساليب الفعَّالة التى تستهدف الإقناع بالحجة، وقد استعمل هذه الوسيلة الأنبياء جميعًا، فنرى إبراهيم عليه السلام أفحم النمروذ عندما حاوره مستدلًّا على ألوهية الله تعالى بقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ»، واستعمل النبى صلى الله عليه وسلم الحوارَ كوسيلة تربوية ناجحة فى علاج الخلل وتقويم السلوك عندما أتاه شاب يريد أن يستأذنه فى الزنا فقال له: أتحبه لأمك؟، قال: لا واللَّه. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا واللَّه. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

وبعد محاورة النبى لهذا الشاب لم يكن شيء أبغض إليه من الزنا.

وتخبرنا الروايات أن حوار ابن عباس رضى الله عنهما للخوارج أفضى إلى رجوع الآلاف منهم عن أفكارهم المنحرفة المغالية.

فالحوار فى الإسلام وسيلة جادة لتحقيق غاية واضحة هى الوصول إلى الحق وإيصاله إلى الناس وإن ذلك أحد أهم الطرق لنهضة الأمم وبناء حضارتها، ولا يقبل الإسلام أبدًا أن يكون الحوار فنًّا يتبارز فيه المتحاورون لإيقاع كل طرف بالآخر وإعلان الانتصار عليه.

ولهذا فإن خير من يضطلع بالقيام بهذه المهمة هم العلماء المتخصصون، وهنا يظهر دور الدولة فى إعداد أمثال هؤلاء العلماء وتوفير السبل اللازمة لهم لإنجاز هذه المهمة، وتدريبهم من أجل إجادة فن الحوار والتمكن من الأساليب اللغوية والصيغ التعبيرية وغيرها من المهارات التى تلزم عملية الحوار الجاد المثمر.

وإننا فى حاجة ماسَّة اليوم إلى ترسيخ قيم الحوار، ودعم أواصر التواصل بين الدول بحضاراتها المختلفة من أجل مصالح الشعوب، مع التركيز على المشترك الإنساني، الذى يؤسس له قوله تعالى: «تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»، ولا شك فى أن تبادل الأفكار يُسهم فى توسيع المساحات المشتركة بين البشر، مثل التعاون من أجل خير البشرية ورفض الظلم وغيرها من المشتركات الإنسانية.

ولقد واجهت دولة الإسلام بعد عهد النبى صلى الله عليه وسلم حضارات أخرى متكاملة بنظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقدية فاستوعبت هذه الحضارات وأخذت منها ما يمكن أن تستفيد منه، دون المساس بجوهر الإسلام وعقيدته الصافية، وقد تم ذلك الاستيعاب دون صراع أو صدام.

فما أحوجنا اليوم إلى عقد المنتديات والمحافل الإقليمية والدولية التى تضم النخب من جميع عقلاء العالم والمجتمع الدولى بمنظماته وهيئاته المعتبرة لإدارة الحوار بين الحضارات والثقافات من أجل مد جسور التعاون، وتحقيق التعايش السلمى بين البشر على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم، وتعزيز ثقافة التسامح، والقضاء على كافة أشكال الإساءة المتعمدة ضد الأديان ومعتنقيها، وحق الشعوب فى الحياة الآمنة التى يعمها السلام، وينبغى أن يكون للقضية الفلسطينية حضور فى هذا الحوار من أجل تذكير العالم بحق الشعب الفلسطينى فى العيش الآمن، وضرورة وقف الانتهاكات الوحشية التى تمارَس بحق المدنيين الأبرياء.

ولقد كان للمؤسسات الدينية فى مصر -وفى القلب منها دار الإفتاء المصرية- دور بارز فى هذا الحوار عبر المشاركة فى المنتديات الدولية فى دول العالم المختلفة، وذلك عن طريق تقديم صورة الإسلام الصحيحة الوسطيَّة التى شُوِّهت وأُلصقت بها التهم الباطلة، وإننا يحدونا الأمل فى أن تصل رسالة الإسلام الصحيحة إلى العالم، وأن يعم السلام جميع الشعوب والأمم.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: