رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اليوم السابق «1 ــ 2»

كتبت على هذه الصفحة فى ٩ نوفمبر الماضى معلقا على أفكار ما يُسمى باليوم التالى ومستنكرا إثارتها بينما مازالت المعركة مستمرة والقوات الإسرائيلية عاجزة عن تحقيق أى نصر استراتيجى وفقًا للمعايير التى وضعتها قيادتها وهى اجتثاث «حماس» وتحرير الأسرى، وعندما تُنشر هذه المقالة يكون المتبقى١٠ أيام فقط على مضى٣ أشهر كاملة على بدء القتال، مع بقاء الحال على ما هو عليه، بل وتأكيد القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن الطريق مازال طويلًا والتكلفة باهظة، ومع ذلك مازال الإصرار على التركيز على ما يُسمى باليوم التالى، ولا شك أن هذا مطلوب لأن القتال سينتهى يومًا، ولا ينبغى أن نفاجأ ساعتها بأننا لا نملك أفكارًا جيدة لترتيب أوضاع ما بعده، لكن هذا لا ينبغى أن يصرفنا عما يجرى فى «اليوم الحالى» من قتل وتدمير لكل مقومات الحياة على نحو باتت دوائر غربية ودولية عديدة تشير إلى أنه غير مسبوق، بل لقد أعجبتنى إجابة حسام زملط سفير فلسطين فى المملكة المتحدة على سؤال وُجه له فى إحدى ندوات منتدى الدوحة الأخير عن «اليوم التالى» بقوله إن المهم هو «اليوم السابق»، وهذا فى رأيى هو بيت القصيد الغائب عن كل السرديات الإسرائيلية والغربية الموالية لها بخصوص ما يجرى الآن من وحشية وهمجية غير مسبوقتين، فكلما سُئل إسرائيلى أو متعاطف معه عن جرائم إسرائيل أحالنا إلى «جريمة» ٧ أكتوبر، وبرر أفعال إسرائيل بأنها رد على ما جرى يومذاك، مع أن القانون الدولى يحدثنا عن مبدأ التناسب بين الفعل ورد الفعل، وأهمية «اليوم السابق» أنه يجزم بأن ما حدث فى ٧ أكتوبر لم يكن إرهابًا وإنما ممارسة للحق الشرعى الذى يبيحه القانون الدولى فى مقاومة الاحتلال، ناهيك بأن كل الاتهامات التى وُجهت لأبطال ٧ أكتوبر الماضى بذبح الأطفال واغتصاب الفتيات والنساء لم يُقدم من أطلقوها أى دليل على صحتها، كما أن التذكير باليوم السابق يقف وراء المقولة النزيهة لأنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن فى أكتوبر الماضى بأنه من المهم أن ندرك أن هجمات ٧ أكتوبر الماضى لم تأت من فراغ، وهى المقولة التى أقامت قيامة إسرائيل ولم تقعدها، ولذلك فإن فكرة «اليوم السابق» تمثل حجر زاوية فى أى موقف سياسى أو إعلامى لكل من يناصر القضية الفلسطينية فى وجه من تغول بشراسة على حقوق الشعب الفلسطينى، فمن أين يبدأ اليوم السابق؟.

نستطيع أن نعتبر أن اليوم السابق هو يوم البدء الجاد فى تنفيذ المشروع الصهيونى لإقامة دولة يهودية فى فلسطين مع موجات الهجرة اليهودية لفلسطين التى فتحت لها سلطات الانتداب البريطانى الأبواب على مصراعيها فى عشرينيات القرن الماضى، والتى أحدثت ردود فعل فلسطينية مقاوِمة بلغت ذروتها فى ثورة ١٩٣٦التى لم يُقَدَّر لها رغم ضراوتها أن تحقق أهدافها لأسباب فلسطينية وعربية وعالمية ليس هنا المكان المناسب لتفصيلها، ومع ذلك فأنا أُفضل أن يبدأ «اليوم السابق» من الإرهاصات التى سبقت إعلان دولة إسرائيل فى ١٥مايو ١٩٤٨وتلتها، وانطوت على أعمال تعد نموذجية لوصفها بالإرهاب، وهى المذابح التى أقدمت عليها العصابات الصهيونية المسلحة لترهيب الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة وطنهم فى غيبة الوعى الكامل بطبيعة المشروع الصهيونى والقوى التى تقف خلفه، وأملًا فى أن تكون هذه المغادرة عملًا مؤقتًا تعقبه عودة أكيدة بعد أن تهب الدول العربية لدرء هذا الخطر عنهم، ولقد هبت الدول العربية بالفعل لكنها لم تتمكن من وأد الدولة الصهيونية فى مهدها، ومن المهم التأكيد على أن المؤرخين الإسرائيليين الجدد قد اعترفوا بهذه المذابح وما رافقها من أعمال ينطبق عليها وصف الإرهاب على نحو نموذجى، وقد ظهر هؤلاء المؤرخون فى ثمانينيات القرن الماضى بعد اطلاعهم على وثائق الأرشيف الوطنى الإسرائيلى، بالإضافة إلى عوامل أخرى كالدراسة خارج إسرائيل، والمهم أن صفة الإرهاب لصيقة بنشأة الدولة الصهيونية فى فلسطين، ولا يقل أهمية أن هذه الصفة قد استمرت فى تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين سواء الذين تمسكوا بأرضهم داخل إسرائيل، أو من خلال الغارات على قطاع غزة، وأشهرها غارة فبراير١٩٥٥التى امتزجت فيها الدماء الفلسطينية والمصرية بحكم المسئولية المصرية الإدارية آنذاك عن القطاع، لكن السلوك الإرهابى تعاظم دون شك بعد احتلال إسرائيل غزة والضفة فى عدوان ١٩٦٧، وتضيق السطور عن التسجيل التفصيلى للجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين بعد ذلك التاريخ، غير أنه تكفى الإشارة لجريمة الاستيطان الكبرى فى الضفة، والتى تتناقض تناقضًا صارخًا مع القانون الدولى، وما تنطوى عليه هذه الجريمة وما يصاحبها من سلوكيات الاحتلال من مصادرة اأراضى وهدم المنازل وقتل الفلسطينيين واعتقالهم لأتفه الأسباب وسوء معاملتهم، وطردهم من منازلهم، وتدمير منازل المشاركين فى أعمال المقاومة، وهى واحدة من الممارسات التى مازلت لا أفهم كيف لا يدينها العالم الذى يصف نفسه بالمتحضر، ولا يعمل على وقفها، ومن المهم أن نضيف لهذه الأعمال المحاولات الدائمة لإذلال الفلسطينيين، ولقد روى لى منذ سنوات أحد طلبتى الفلسطينيين من الضفة الغربية كيف شاهد على المعبر بين الأردن والضفة تفتيشًا لسيدة فلسطينية كانت قد تسوقت بعض المواد الغذائية ووضعتها فى حقيبة قماشية ضخمة، وكيف كان الجندى الإسرائيلى يفتح كل الأكياس وبعد أن يتأكد من خلوها من أى ممنوعات يفرغها فى الحقيبة دون إعادتها لكيسها، وهكذا يختلط السكر بالأرز بالعدس بكل شىء آخر، غير أن هذا كله يمكن أن يوضع فى كفة، وما جرى ويجرى على أيدى حكومات نتيانياهو وبالذات حكومته الحالية فى كفة أخرى أحاول تسجيل ملامحها وتداعياتها فى المقالة القادمة وكيف أنها حتمت أن يكون هناك ٧ أكتوبر.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: