رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وحدة الصف ونهوض الدولة

دعا الإسلام إلى وحدة الصف وجمع الكلمة وجعل ذلك مقصدًا عظيمًا من مقاصده؛ بل دعت إلى ذلك سائر الشرائع السماوية قبل الإسلام كما قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة»، ولقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة على ضرورة الاهتمام بالاجتماع وتحقيق وحدة الصف والتحذير من التفرق والاختلاف؛ فقال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا»، وروى الإمام مسلم فى صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تفرقوا» أمرٌ بلزوم جماعة الناس، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام.

ولقد استهدفت تشريعات الإسلام تحقيق هذا المبدأ العظيم، فنرى جميع العبادات ترتكز على مبدأ العمل الجماعي؛ فصلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وفريضة الصيام مفروضة على جميع المسلمين فى وقت واحد، والزكاة تقوم على مساعدة الأغنياء للفقراء والمساكين، ومناسك الحج وشعائره تتحقق بالأداء الجماعي، وكذلك أقرت تعاليم الإسلام مبدأ الشورى، والتعاون على البر والتقوى.. إلى غير ذلك.

وحذَّر الإسلام أشد التحذير من التنازع والاختلاف وانقسام الصف فقال تعالى: «وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»، فنهى عن التنازع فيما بيننا فنختلف فيكون ذلك سببًا فى تخاذلنا وفشلنا وذهاب قوتنا فنصبح لقمة لقمةً سائغة فى أفواه أعدائنا.

ومن هنا فإنه ينبغى على المجتمعات تحقيق وحدة الصف والالتفاف حول المصلحة العامة، ويمثل الخطاب الدينى واحدًا من تلك المرتكزات الرئيسية لتحقيق هذا الهدف، فالخطاب الدينى بما يحمله من قيم ومعانٍ سامية يُعد أهم أركان بناء المجتمعات الإنسانية؛ لاسيما فى المجتمعات التى تركن إلى الدين كمصدر ثقافى وأخلاقى وتشريعي، ومن هنا يمكن لنا أن ندرك حجم الاهتمام الكبير بالخطاب الدينى وأثره فى المجتمع.

ولعل ذلك هو السبب الرئيسى الذى جعل المؤسسات الدينية فى مصر، وبخاصة دار الإفتاء المصرية، تجعل قضية تجديد الخطاب الدينى على قائمة أولوياتها؛ وذلك بدعمٍ من القيادة الحكيمة فى الجمهورية الجديدة، فقد صرح بذلك السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة، وأشار إلى ضرورة العناية بذلك الخطاب فى مواجهة الخطاب الرجعى والمتطرف.

إن للمؤسسات الدينية النصيب الأكبر فى بناء الوعى بضرورة التكاتف ووحدة الصف الداخلي، والذى يمكن تحقيقه عن طريق بث روح الإخاء والتعايش وترسيخ مفهوم المواطنة، ولزوم طاعة ولى الأمر وعدم الخروج على الحكام، وعدم الانسياق وراء الشائعات التى تُثير الفتن والقلاقل، وعدم الاستماع إلى الأبواق الإعلامية التى تروج للأكاذيب وتُسهم فى إذكاء روح الإحباط والتشاؤم.

إن وحدة الصف الداخلى المصرى هى صمام أمان الوطن، ووعى أبناء الوطن الواحد بضرورة التماسك المجتمعى هو الذى يكفل بقاء الوطن وقدرته على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ولقد أثبتت الأحداث والتجارب أن الشعب المصرى كان على وعى تام وإدراك حقيقى للأجندات التى تريد إسقاط الدولة فأحبط هذه المحاولات الفاشلة التى تعرضت لها مصر منذ عام 2011م، تلك المحاولات الرامية إلى بث روح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتبديد كل الجهود المبذولة للنهوض بالدولة وتحقيق التنمية، فقد ظلت الإرادة المصرية تُشكل سدًّا منيعًا حالَ دون انزلاق الوطن نحو الفوضى، وهو ما تجلَّى فى ثورة 30 يونيو المجيدة بعد أن اختار الشعب المصرى الاستقرار وتحقيق التنمية ووضع خريطة الجمهورية الجديدة.

وقد زاد من قوة وحدة الصف الداخلى للشعب المصرى التفافه حول قيادة سياسية تعمل بكل طاقتها من أجل النهوض بالوطن فى ظل ظروف عالمية صعبة، موقنًا بحكمته وقدرته على تجاوز العقبات وصولًا إلى مستقبل أفضل.

إننا نؤمن تمامًا بأن حالة التماسك المجتمعى من شأنها أن تعزز من المشاركة والمساهمة الاجتماعية لدى الأفراد فى عمليات التنمية، وأن تنمى شعورًا متزايدًا لدى المواطنين بالدور الوطنى الذى يمكن لهم أداؤه فى تلك العملية التنموية باهتمامهم بقيم العمل الإيجابى والمشاركة الفعالة والإحساس بالمسئولية تجاه القضايا الوطنية البارزة.

إنَّ التجارب التاريخية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن وحدة الصف والتماسك الاجتماعى هو البيئة المناسبة للنهوض بالأوطان وتحقيق التطور والارتقاء الحضاري، وأن التفكك الاجتماعى أول عوامل الهدم للبنيان الحضارى مهما بلغت قوته ورقيه وصلابته، ولقد كانت التجربة النبوية خير دليل على ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يدرك جيدًا أهمية ذلك التماسك، فكان أول ما سعى إليه هو إرساء دعائم السلام الاجتماعى والعيش المشترك بين أفراد مجتمع المدينة بما يحويه من تنوع واختلاف عقدي، ومن ثم انطلقت قاطرة الحضارة الإسلامية فوصلت إلى ما وصلت له.

إن مجتمعًا متماسكًا يعنى همًّا مشتركًا واحدًا وغاية يسعى الجميع لتحقيقها، ومصلحة تعلو فوق مصلحة الأفراد، وهى مصلحة الوطن والأمة، وهذا التماسك المجتمعى هو الملاذ الآمن الذى يمكِّن من الصمود فى وجه التحديات المتعاقبة التى تواجه أمتنا ووطننا.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: