رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الادخار المحلى وتوفير البريد

من القضايا المهمة والمنسية فى نفس الوقت، أوضاع الادخار المحلى وتدنى معدلاته بصورة كبيرة للغاية، إذ لا يتجاوز 10% من إجمالى الناتج المحلى، وهو معدل منخفض للغاية لا يتناسب باى حال من الأحوال مع معدلات الاستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد، وامتصاص البطالة المرتفعة. وأدى ذلك الى اتساع الفجوة المحلية، والتى يتم تمويلها من صافى عوائد الدخل فى الخارج (خاصة تحويلات المصريين العاملين بالخارج) وفجوة الموارد الخارجية (المتمثلة فى عجز الميزان الجارى بميزان المدفوعات)، وهنا تبرز مشكلة أخرى تتعلق بالانخفاض المستمر فى التحويلات خلال الآونة الأخيرة الأمر الذى يؤدى الى المزيد من الاقتراض الحكومي. ومع تسليمنا الكامل بأن السبب الأساسى يرجع الى تفاقم عجز الموازنة العامة للدولة والادخار السلبى للحكومة فإن هناك أسبابا أخرى تأتى على رأسها الآثار الناجمة عن جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية على مستويات الدخول للشرائح العظمى من المجتمع. وهنا يلحظ المتتبع لمدخرات القطاع العائلى ان معدلاتها فى تناقص مستمر أيضا، سواء داخل الجهاز المصرفى أو توفير البريد وشهادات الاستثمار، قبل إيقاف العمل بها، خاصة مع انخفاض سعر الفائدة الحقيقى، أى معدل الفائدة الأسمى مطروحا منه معدل التضخم، ليصل الى سالب 18٫15%، واللجوء الى شراء الذهب الذى ارتفع من 38٫5 طن خلال الفترة يناير ـ سبتمبر2022، الى 46٫4 طن خلال نفس الفترة هذا العام، اوالاستثمار فى العقارات، هذا فضلا عن ارتفاع معدلات الاكتناز والاستمرار فى تفضيل التعامل النقودى. ويرجع السبب فى ذلك إلى العديد من الأسباب يأتى على رأسها انتشار بعض القيم السلبية فى المجتمع تجاه التعامل المصرفى وسيادة انطباع لدى البعض بأن هذه التعاملات هى تعاملات ربوية، وبالتالى مخالفة للشريعة الإسلامية، وذلك رغم المحاولات التى قامت بها بعض البنوك بإنشاء فروع للمعاملات الإسلامية. يضاف الى ما سبق عدم نجاح الجهاز المصرفى، فى تقديم الخدمات المصرفية المطلوبة فى الريف والقرى، إذ مازالت تعانى من مشكلة التركز، فى القاهرة الكبرى وبعض المحافظات الحضرية. وبالتالى مازالت البنوك غير قادرة على خدمة المواطنين العاديين والفلاح البسيط. كل هذه العوامل وغيرها أدت الى هروب الافراد من الجهاز المصرفى وكلها أمور تدفع لتشجيع صناديق توفير البريد، باعتبارها الأداة الأساسية لجذب مدخرات الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، فى ضوء ما تتمتع به من خصائص يأتى على رأسها الانتشار الواسع فى قرى ونجوع مصر، حيث وصل عدد مكاتب البريد فى نهاية يونيو 2023 الى 4636 مكتبا تنتشر فى جميع ربوع المجتمع، ومازالت تسهم بدرجة معقولة فى جذب جزء من المدخرات، إذ وصل إجمالى الودائع لديها الى 271٫9 مليار جنيه فى نهاية مارس 2023، لتشكل نحو 11% من إجمالى الأوعية الادخارية. ولكنها بدأت تعانى تراجع الإضافات الجديدة ويرجع السبب فى ذلك الى فروق العائد على هذه الأموال مقابل الأوعية الادخارية البديلة، خاصة العائد على اذون الخزانة. وقد طرح البعض مؤخرا استحواذ الصندوق السيادى على هيئة البريد، وهذا الطرح يجهل ان أموالها هى أموال خاصة بالمودعين لا يجوز الاستحواذ عليها، كما ان تحويلها الى بنك تنموى يفقدها العديد من المزايا التى تتمتع بها. وبالتالى يجب البحث فى تطوير هذه الأداة لتصبح إحدى الأدوات الرئيسية فى تجميع هذه الأموال. خاصة أنها تعانى مشكلات عديدة ومتنوعة غالبا ما تكون بعيدة عن الإعلام نتيجة لعدم اهتمامه بالقضايا التى تمس الشرائح المتعاملة مع هذه الأداة، لان معظمهم من أصحاب الدخول البسيطة والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة. من هذا المنطلق يجب العمل على تطوير وتحديث صناديق توفير البريد بحيث تصبح أداة لتعبئة المدخرات خاصة فى القرى والنجوع المصرية. حيث من المأمول أن تقوم بسد الفجوة التمويلية، خاصة أنها تمتلك العديد من المزايا التى تؤهلها لذلك. كما انها تنسجم كثيرا مع القيم والأعراف السائدة فى هذه المجتمعات. وهو ما صورته السينما المصرية منذ قديم الأزل، حيث كانت التوصية الدائمة لكل من يذهب الى العمل بان يضع نقوده فى "البوسطة" والتى تعتبر الملاذ الآمن لها، وكانت الجائزة الكبرى للتلميذ المتفوق فى الدراسة، علميا او رياضيا او ثقافيا، هى الحصول على دفتر توفير بمبلغ رمزى هدية من إدارة المدرسة. بل وكانت بعض العائلات تفتح دفتر توفير للطفل بمجرد ولادته وتضع فيه مبلغا شهريا يستكمله حين يكبر بعض الشيء، وغيرها من الأمثلة التى توضح الدور المهم والحيوى الذى كان يلعبه دفتر توفير البريد فى الأسرة والمجتمع، باعتباره أداة ادخارية مهمة. ويعكس مدى الثقة التى كانت تحظى بها هذه الأداة على مدار اكثر من مائة وخمسين عاما هى عمرها حتى الآن. نظرا لما تحظى به من قبول شعبى لدى الغالبية العظمى من ساكنى الريف والقرى، والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، كما تتميز بسهولة ويسر فى التعاملات تختلف بشدة عن التعقيدات البنكية وتلاؤمها مع القيم المجتمعية السائدة، والسهولة فى التعامل، وذلك مقارنة بالإجراءات البنكية المعقدة، ولذلك فهى تستطيع جذب فئات عريضة من المجتمع. فضلا عن إمكانية استغلال الفروع المنتشرة فى قرى وربوع مصر بدلا من إنشاء فروع جديدة للبنوك، وبالتالى إمكانية تعبئة قدر لا بأس به من الأموال المختزنة لدى القطاع غير الرسمي. مع إمكانية توظيف الفائض مما يخفف من العبء على الموازنة العامة للدولة.وهناك العديد من الخبرات الدولية فى هذا المجال التى تؤكد بما لا يدع مجالا للشك الإمكانات الهائلة التى يمكن ان تسهم بها هذه الأداة فى تعزيز النمو ورفع معدلات الادخار بالمجتمع. وهكذا يصبح من الضرورى العمل على تعزيز صندوق توفير البريد ليصبح بمثابة وعاء ادخارى شعبى يكون هدفه الأساسى هو تعبئة المدخرات من القطاعات العريضة من المجتمع، وهو ما لن يتأتى إلا عبر إعادة النظر فى البناء المؤسسى للهيئة وإصلاح القانون 19 لسنة 1982 المنشئ لها بما يحررها من جميع القواعد واللوائح الحكومية، جنبا الى جنب مع الاهتمام بتطوير وتدريب العاملين بها لمجابهة التقدم التكنولوجى الكبير فى هذا المجال.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: