رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غزة وصراع الأشهر المقبلة

سوف يستمر الصراع فى غزة لعدة أشهر مقبلة، غير معلومة الزمن وغير محددة. هذه العبارة أكدها مستشار الأمن القومى الأمريكى جيك سوليفان بعد زيارته تل أبيب ولقائه مع وزراء الحرب الإسرائيليين، مُرددا القول نفسه لوزير القتل العشوائى يوآف غالانت، فى مشهد يعكس التناغم الكامل بين السياستين الأمريكية والإسرائيلية تجاه العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة. وربما توحى بعض التفاصيل بوجود خلاف حول سير العدوان فى المرحلة المقبلة، فى حين يظل الجوهر واحدا، وهو دعم استمرار آلة القتل الإسرائيلية فى عملها دون قيود، واستمرار الدعم الأمريكى بالسلاح والمواقف السياسية المناهضة للعالم كله، والداعية لوقف العدوان فورا، كما ظهر بوضوح فج فى رفض إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار دون تأجيل. استمرار العدوان لفترة أخرى ليست محددة مرهون من وجهة النظر الأمريكية والاسرائيلية بتحقيق أهدافها الأولى، والتى ترددت كثيرا على ألسنة المسئولين من البلدين، وأبرزها القضاء على حماس، وتحرير الأسرى، وإقامة منطقة أمنية فى القطاع لحماية إسرائيل، وضمان ألا تشكل غزة مستقبلا أى نوع من التهديد لوجود الدولة الإسرائيلية. هذه الأهداف فضلا عن عدم واقعيتها وابتعادها عن منطق التاريخ المُنصف للشعوب ومقاومتها المشروعة ضد كل صنوف الاحتلال مهما تكن قوته ودمويته، فهى تعنى عمليا الإصرار على المزيد من تدمير القطاع وقتل أبنائه من جانب، والمزيد من فقدان السمعة والهيبة والردع من جانب آخر. والعنصر الثانى يشترك فيه الطرفان الأمريكى والإسرائيلى معا، بصفتهما الطرفين اللذين يديران الحرب فعليا وبتنسيق تام، ويضعان أهدافها، ويسعيان إلى توظيفها لتشكيل واقع جديد ليس فقط فى قطاع غزة، بل فى عموم الأراضى الفلسطينية المحتلة، فضلا عن تأثير ذلك على تصفية القضية الفلسطينية من وجهة نظرهما على حساب أطراف أخرى عربية وغير عربية، بعد استبعاد القيام بأى عمل جاد يضمن تسوية تاريخية عبر مفاوضات سياسية تؤدى إلى حل الدولتين. وفى ضوء خبرة الشهرين الماضيين من العدوان الإسرائيلى الهمجى، والصمود الفلسطينى والمقاومة النشيطة والفعالة، رغم فارق القوة المادية عسكريا، يظهر الجانب الآخر من الصورة متمثلا فى الفشل فى تحقيق الأهداف الرئيسية المُعلن عنها سابقا، فلم يتحرر أى أسير عبر العملية البرية الهمجية، بل قُتل بعض الاسرى برصاص إسرائيلى، كما قتل العديد من الجنود والضباط فى مواجهات مباشرة مع عناصر حماس، ولم تسقط الأخيرة والمقاومة الفلسطينية، ولم تطلب العفو والاستسلام كما توهم الكثير من مسئولى وزراة الحرب والقتل الإسرائيلية، بل على العكس، أصيب الجيش الإسرائيلى فى مقتل من عدة جوانب، أبرزها عنصر السمعة القتالية والأخلاقية والذى تبخر فى الهواء ولم يعد له أثر، وتأكد أنه جيش بلا أخلاق وفاقد للمهنية الاحترافية فى القتال المباشر، ويعتمد على التدمير العشوائى لجلب الرعب فى قلوب المقاومين، الأمر الذى لم يحدث، ويعترف به المحللون العسكريون الامريكيون قبل غيرهم، بل بات الرعب يسكن قلوب ونفوس الجنود الإسرائيليين وقادتهم وعائلاتهم، وكل من يعاونهم من المرتزقة الأجانب مزدوجى الجنسية. ويمتد الفشل إلى سمعة الصناعة العسكرية الإسرائيلية التى كثيرا ما روجت للقدرات الهائلة وغير المسبوقة للدبابة ميركافا، باعتبارها الأكثر تدريعا والأكثر صلابة وحماية للجنود داخلها، والتى صارت كلعبة أطفال بين أيدى المقاومين، تحترق بسهولة من قذائف صنعتها عقول ذكية بأقل القدرات، وأثبتت فاعليتها بما لم يتصوره أحد، ناهيك عن تدمير مركبات الجنود المصنوعة فى الولايات المتحدة والتى فقدت سمعتها بلا منازع، ما دفع كل الدول التى سبق وطلبت عدة عشرات من تلك الدبابات الإسرائيلية أن تتخلى عن طلباتها بعد أن رأت الفارق الكبير بين الدعاية الفارغة وبين القدرات الحقيقية فى الميدان. الفشل الإسرائيلى الأمريكى المزدوج، ليس ببعيد عن أعين المحللين الأمريكيين، ومن هنا يمكن تفهم تلك اللغة التى يتحدث بها الآن الرئيس بايدن والتى تتضمن بعض النقد المبطن والناعم لأداء وزارة الحرب الإسرائيلية، ودعوته لهم بأن يراعوا المدنيين فى ضرباتهم العشوائية، فى الآن ذاته يصر على الدعم غير المشروط ويأمر البنتاجون الأمريكى بإبقاء حاملتى الطائرات الأمريكيتين فى البحر المتوسط بالقرب من السواحل الإسرائيلية، كما يأمر بإرسال قذائف من مخازن البنتاجون الخاصة للدبابات الإسرائيلية ميركافا، وبعيدا عن رقابة الكونجرس الأمريكى، وعلى وجه السرعة لدعم عمليات القتل والتدمير فى غزة، كجزء من خطة مواصلة الحرب لأشهر عدة مقبلة.

العنوان الجديد الذى أبدعه الاستراتيجيون الأمريكيون للمرحلة المقبلة من الصراع هو قتل قادة حماس، وتحديدا زعيم الحركة فى غزة يحيى السنوار، وقائد الجناح العسكرى محمد الضيف، ونائبه مروان عيس، ومن يمكن الوصول إليه من رموز أخرى. الكلام هنا قاله بصراحة جيك سوليفان بعد محادثاته فى إسرائيل الخميس الماضى، وفى مضمونه أن هدف القضاء على حماس كحركة لم يعد أولوية نظرا لأنه هدف ثبتت استحالته، ومن ثم تم خفض الهدف المطلوب إلى مجرد قتل قادة الحركة ورموزها العسكريين الذين أذلوا العسكرية الاسرائيلية، رغم تواضع ما لديهم من إمكانيات مقارنة بالإمكانيات الأمريكية والإسرائيلية الهائلة التى حُشدت للقضاء على الحركة، ما يثبت درس التاريخ الإنسانى الأبدى، فالأمر ليس فى الإمكانيات وعلو الصوت، بل فى الإرادة والإيمان والدفاع عن قضية عادلة والقدرة على تحمل الخسائر والصمود فى وجه العدوان مهما تكن وحشيته وهمجيته.

وما دام هناك هدف يتمثل فى القتل المفضوح وغياب ضوابط العمليات العسكرية برا وجوا، سيظل الدعم الأمريكى موجها إلى تدمير القطاع وقتل أبنائه، وأى حديث عن مزيد من الدعم والإغاثة للقطاع المنكوب، ودون وقف شامل لإطلاق النار، سيظل عمليا بلا معنى، وفاقدا لأبسط الحقوق الإنسانية.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: