رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا يجب محاربة التضخم أولا؟

حسنا فعل خبراء صندوق النقد الدولى حين اعترفوا بأن الأولوية الآن للحكومة المصرية هى محاربة التضخم وليس مرونة سعر الصرف، مع ضرورة تشديد السياسة النقدية، خاصة فى ظل الصعوبات الاقتصادية التى تفرضها التطورات العالمية والإقليمية وعلى رأسها العدوان الإسرائيلى على غزة. فرغم استمرار التراجع فى المعدل السنوى للتضخم، وفقا للرقم القياسى لأسعار المستهلكين، خلال الشهور الأخيرة فإنه يظل مرتفعا، حيث وصل الى 36.4% فى نوفمبر مقارنة بنحو 38.5% فى أكتوبر، والأساسي، المعد بواسطة البنك المركزي، وصل الى 35.9% مقابل 38.1% خلال نفس الفترة. وقد اصابت هذه الموجة الأسواق بمزيد من الارتباك، خاصة ان الجميع لا يجد الإجابة الشافية عن المدى الزمنى لها، وأصبح من الضرورى العمل على تجنب انفلات التضخم والسيطرة عليه حتى لا يقوض السياسة الاقتصادية ككل. نظرا لتأثيره على جميع مناحى الحياة اليومية. كما انه العدو الرئيسى لأصحاب الدخول الثابتة من مكتسبى الأجور وأصحاب المعاشات،ويؤدى الى تفاقم أوجه عدم المساواة الحالية، كما يسهم فى زيادة أسعار الفائدة مما يقوض من سياسات التعافى الحالية ، ويؤدى الى ارتفاع مستويات الدين العام، وينذر بمخاطر الإنهاء المبكر للسياسات الاجتماعية الحمائية وارتفاع معدلات البطالة. وكلها امور تدفعنا للقول إن هذه الآثار يجب تداركها عبر آليات محددة تضمن تحجيم الآثار السلبية لهذه الارتفاعات والحد منها مستقبلا. لأن عدم قدرة الاقتصادات على مواجهة الازمة قد يؤدى الى مشكلات عديدة. وهنا ظهر على السطح الحديث عن سعر الفائدة كسلاح يستخدمه البنك المركزى لكبح جماح التضخم، وهو ما يضعه فى مأزق شديد، فهو من جهة يبحث عن آليات السيطرة على التضخم واحتواء آثاره السلبية والحفاظ على مصداقية السياسة النقدية، ومن جهة أخرى يرغب فى الحفاظ على التعافى الاقتصادى الضعيف. وهى مسألة تتوقف على القراءة الدقيقة لطبيعة التضخم وأسبابه.وكان البنك المركزى قد رفع أسعار الفائدة بنحو 800 نقطة أساس خلال العام الماضي، سعيا لامتصاص موجة التضخم. فتبلغ حاليا 19.25% للإيداع و20.25% للإقراض، بينما يبلغ سعر الفائدة الحقيقي، أى معدل الفائدة الاسمى مطروحا منه معدل التضخم، سالب 18.15% ومن المعروف ان الهدف الأساسى للسياسة الاقتصادية هو الوصول الى معدل تضخم معتدل يدعم الاستقرار الاقتصادى ويجعل الاقتصاد فى حالة توازن حركى منتظم يزيد من الناتج المحلى، اى تحقيق الاستقرار فى الاسعار وضمان معدل تضخم يضمن تحقيق الاهداف التنموية. مما يعزز من أهمية الحديث عن سياسة سعر الفائدة. وتكمن المشكلة فى التأثيرات المختلفة لهذه السياسة فهى تؤثر فقط على معدل الاستثمار والادخار، بل تتعداهما لتشمل المالية العامة للدولة والدين العام وسعر الصرف وكذلك الجهاز المصرفى نفسه. لذلك يعُد مستوى الفائدة الملائم، من الموضوعات المهمة التى يجب البحث فيها بدقة وموضوعية لمعرفة السعر التوازنى الذى يجب ان يسود بالأسواق ويحقق الأهداف التنموية للمجتمع. وهى مسألة تختلف من مجتمع لآخر وتتوقف على طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة. كما انها تؤدى الى الحد من التوسع فى الائتمان وتحويل الموارد المالية نحو المؤسسات الكبيرة القادرة على خدمة هذه الديون، وبالتالى الابتعاد عن المؤسسات المتوسطة والصغيرة والتى يعول عليها كثيرا فى امتصاص جزء من البطالة. فضلا على ذلك فإن ارتفاع أسعار الفائدة سوف يضعف من طلب القطاع العائلى وهذا من شأنه ان يحد من الطلب الكلى وبالتالى النمو. وعلى الجانب الآخر فإن عجز الموازنة وما يرتبط به من اللجوء للاقتراض من الأسواق المحلية عبر طرح أذون وسندات على الخزانة العامة يؤدى الى تحفيز أصحاب الثروات على الاستثمار فى هذه الأصول عديمة المخاطر وذات الفائدة المرتفعة، وبالتالى يؤثر بالسلب على الاستثمار المحلى. والأخطر من ذلك ان هذه السياسة تؤدى إلى قيام الجهاز المصرفى بالاستثمار فى هذه الأوراق على حساب تمويل التنمية. هذا فضلا عن ان ارتفاع أسعار الفائدة على أذون الخزانة يؤدى الى زيادة عبء الدين العام المحلى، ومن ثم زيادة عجز الموازنة والتى تلجأ بدورها الى طرح المزيد من الأوراق المالية الحكومية، وهكذا ندخل فى دائرة مفرغة وتفاقم من عجز الموازنة العامة للدولة. كما ان ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر على البنوك نتيجة لتوسعها فى منح الائتمان وارتفاع تكلفة الودائع لديها. وبالتالى احتجاز جانب كبير من أموال البنوك كمخصصات. فمن المعروف أن السياسة المالية ترتبط بالسياسة النقدية وذلك من خلال الدور الذى تقوم به السلطات النقدية فى تمويل عجز الموازنة العامة، وعلى هذا فان العلاقة بين السياستين تنعكس فى النهاية على صافى الاقتراض الحكومى من الجهاز المصرفي. وهو ما يؤثر بدوره على السيولة المحلية والقاعدة النقدية. وبالتالى يجب عدم التمسك بسياسة التقشف وخفض العجز فى الموازنة، بل على العكس يمكن السماح بتحريك العجز عن طريق زيادة الإنفاق العام ولا يعنى ذلك التضحية بالعجز، ولكن البحث ببساطة عن المستوى الذى يصبح عنده الاقتصاد قادرا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود. وهو مستوى يجب البحث عنه بدقة وعناية فى ضوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. وهو ما يتطلب بالضرورة تحول النقاش من حجم العجز إلى مكونات الإنفاق العام وهيكل الإيرادات العامة. فقد يكون من الأجدى والأنفع السماح بزيادة العجز فى الموازنة شريطة أن يؤدى إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المطروحة على المجتمع. وبما يسمح بتنفيذ السياسات المرغوبة لتحقيق التنمية الاحتوائية ويسهم فى تحقيق الاستقرارالاقتصادي. كما تتطلب محاربة التضخم إزالة المعوقات التى تعيق قدرة بعض المؤسسات على الاضطلاع بمهامها. ويمكن الاستثمار(العام والخاص) من التفاعل مع آليات السوق والمنافسة فى ظل مناخ يتسم بالشفافية، وبالمزج بين المساندة والرقابة الفعالة من مؤسسات الدولة. وهو ما يؤدى فى النهاية إلى تسهيل بناء القواعد الإنتاجية والاستفادة المثلى من الطاقات المتاحة، الأمر الذى يؤدى إلى تهدئة الأسعار.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: