رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسئولية المشتركة وتحقيق النجاة

..ونحن نتناول مفهوم "المسئولية المشتركة" ينبغى علينا أن نُدرك أننا لا نتعاطى مع هذا المفهوم بوصفه متولدًا من المشكلات والضغوط الاجتماعية؛ فالمسئولية المشتركة بمفهومها المستقر الآن ليست وليدة أزمة إنسانية ذاتية أو مشكلة اجتماعية معاصرة؛ وإنما هى حالة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمق الأخلاقى والثقافى لأمتنا الإسلامية التى أسست لهذا المفهوم بما يرتكز عليه من قيم إنسانية كالتعاون والتضامن ومراعاة المصالح العامة ونحو ذلك.

إن الشريعة الإسلامية بتأصيلها لوظيفة الإنسان فى العموم، وكونه خليفة الله فى الأرض المنوط به عمارة هذا الكون وإصلاحه والمحافظة عليه -أسَّست بالتبعية لقيمة المسئولية عمومًا، فجعلتها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالغرض من وجود الإنسان فى الأصل؛ مما يجعلها مقارِنةً لهذا الوجود؛ فلا وظيفة بلا مسئولية، ويأتى حجم المسئولية من حجم الوظيفة، مما يجعل المسئولية الملقاة على الإنسان فى أدائه لرسالته فى الأرض مسئولية دقيقة تقتضى التزامًا بمجموعة من المعايير الأخلاقية المترابطة فيما بينها.

وإذا كانت المسئولية الفردية هى الأصل، وهى ما ينصرف إليه ذهن الإنسان عمومًا كلما ذُكرت المسئولية؛ فإن الشريعة الإسلامية أرادت أن تؤصل لقيمة المسئولية الجماعية، وأن قيام الفرد بمسئوليته الفردية ليس كافيًا لتحقيق مقتضى خلافة الله فى الأرض وعمارة الكون وصلاحه؛ بل إن ذلك الفرد ملتزم تجاه مجتمعه الصغير والكبير بمسئولية أخرى لا تقل أهمية عن مسئوليته الفردية، وهى العمل لتحقيق صالح الجماعة ككل.

ولقد اختارت الشريعةُ طريقةً من أكثر الطرق فاعليةً لغرس القيم وبيانها، وهى طريقة القصة والتصوير، وذلك على لسان النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث السفينة لبيان مفهوم المسئولية المشتركة والأسباب الداعية إلى التمسك بها، والنتائج المترتبة على تجاهل تلك المسئولية وعواقب النظر الفردي؛ فقد روى عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على مَنْ فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا فى نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».

فتلك الصورة التى رسمها النبى صلى الله عليه وسلم تبيِّن بجلاء مفهوم المسئولية المشتركة التى قد تخفى على البعض، فإن المسئولية المشتركة فى الحديث هى تلك الوظيفة التى من شأنها تحقيق غاية يشترك فى السعى إليها الجميع، وهى النجاة واستمرار السفينة فى الإبحار.

وتلك الغاية لا يمكن تحقيقها بالنظر الفردى والعمل على تحقيق المصلحة الذاتية بقطع النظر عن مآل ذلك على الجميع، ففى القصة عمل أصحاب الطابق السفلى فى السفينة على تحقيق مصلحة فردية لمجموعتهم متجاهلين ما يمكن أن يصيب الجماعة بذلك العمل، فقرروا أن يخرقوا خرقًا فى أسفل السفينة ليستقوا؛ ظنًّا منهم أن عدم الإضرار المؤقت بمن فوقهم يكفى فى مشروعية عملهم.

وهنا يبين صلى الله عليه وسلم المسئولية الجماعية التى يجب أن يعيها أصحاب الطابق الأعلى فى السفينة، حيث جعلهم النبى صلى الله عليه وسلم بين خيارين، وبيَّن مآل كل خيار منهما:

فالخيار الأول: ألَّا يمنعوا أصحاب الطابق السفلى من عملهم، وأن ينظروا إلى مصالحهم الذاتية الحاضرة فقط.

والخيار الثاني: أن يمنعوا أصحاب الطابق السفلى من صنيعهم، وينظروا إلى المصلحة الجماعية التى يشترك فيها جميع ركاب السفينة.

وكانت نتيجة الخيار الأول فى الحديث هى الغرق والهلاك للجميع، لا لأصحاب الطابق السفلى فقط، ولا لأصحاب الطابق العلوى فقط، وكانت نتيجة الخيار الثانى تحقيق النجاة للجميع؛ فهكذا هى غاية المسئولية المشتركة.

إنَّ الوضع الحالى والمتغيرات الكبيرة للمجتمع الإنسانى ككل جعل ثمة صعوبة فى التفريق بين ما هو محلى وما هو دولى وعالمي، فالمشكلات الإنسانية الكبيرة التى نواجهها اليوم كأزمة تغير المناخ ونقص الموارد على المستوى البيئى والاقتصادي، وأزمة التطرف والإرهاب والعنصرية والتمييز على المستوى الاجتماعى وغيرهما، أصبح لها تأثيرٌ متعدٍّ يطال المجتمع الإنسانى عامة، وأصبح التعاون العالمى أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى، وهو ما يجعلنا ننظر إلى المسئولية المشتركة اليوم نظرة أكثر شمولًا وعالمية، ويجعلنا نوقن أن العمل على تحقيقها أصبح هما عالميا وشأنا إنسانيا فى سبيل مواجهة التحديات المتزايدة كل يوم.

إنَّ فهم حقيقة المسئولية المشتركة والعمل بمقتضاها، بما تحمله من قيم إنسانية كالتضامن والتعاون والأمانة وأداء الشهادة وغيرها هى سبيلنا الوحيد اليوم لتحقيق النجاة، وعبور المخاطر التى يمر بها المجتمع العالمى وتهدد وجوده واستمراره، وإن كان هذا هو الحال على النطاق العالمي؛ فالأولى أن يكون كذلك محليًّا؛ فإنه ينبغى على كل فردٍ من أبناء الوطن أن يعمل بناءً على مبدأ المسئولية المشتركة؛ ويقوم بدوره بإخلاصٍ وجدٍّ واجتهادٍ؛ لأن ذلك هو السبيل إلى نهضة وطننا.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: