رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدولة التنموية التشاركية «2»

يقوم نظام الدولة على تلاقى إرادتين: الإرادة العامة للشعب؛ وهى الإرادة التى تتجسد بصور عديدة، عبر الدستور، وعبر المجالس النيابية التى يفترض فيها أنها تجسد رأى جموع الشعب، الذى يفوض هذه المجالس فى سن التشريعات وفى الرقابة على المال العام والأداء العام. هذه الإرادة العامة هى التى تؤسس لشرعية الحكم، وتمنحه القدرة على الاستمرار فى إطار نظام عام للدولة. ومن هذه الشرعية التى تؤسس للإرادة العامة تنبثق الإرادة الأخرى التى تتجسد فى الغالب فى إدارة الحكم، والتى تفوض فى النهاية إلى قائد عام أو حاكم عام للدولة. وعندما تلتقى الإرادتان، فإن الأولى تمنح الثانية الحق فى استخدام كل الوسائل التى تحقق أهداف الدولة، وتنظم شئونها، وإدارة هيئاتها وسلطاتها المختلفة. وتستمر الدولة عبر التدفقات المتبادلة بين الإرادتين. من الأولى يتبلور التأييد والمساندة كما تتبلور الحاجات الضرورية والمشكلات التى بحاجة إلى حلول. ومن الثانية تأتى الاستجابة لسد هذه الحاجات، وحل هذه المشكلات، وتحقيق طموحات الشعب فى تحريك موارده نحو خلق القيم المضافة التى تزيد من تراكم ثروة الأمة، ويستمر المجتمع بما فيه من نظام سياسى فى الوجود مستقرًا ومتكاملاً من خلال التفاعل والتكامل بين هاتين الإرادتين.

وإذا كانت إرادة الحكم تتأسس على إرادة المجموع، وتنطلق منها، فإن هذا يعتبر تفويضًا لها لكى تدير دفة الأمور، وتدفع بقوة نحو وضع المجتمع برمته على طريق واحد، وأهداف واحدة، لكى ينطلق فى مسيرة التنمية على أسس واضحة ورؤية محددة. ومن ثم فإن نظام الحكم فى الدولة التنموية التشاركية يقوم على تحمل المسئولية الكبرى، مع مجموعة الشركاء الفاعلين فى تحريك مسيرة الدولة التنموية التشاركية. ولا تتعلق المسئولية الاجتماعية والأخلاقية لنظام الحكم على عمليات شحذ الإرادة وتحريكها بقوة فقط، بل تتعلق بالأساس بالحفاظ على مقدرات المجتمع، وحفظ كرامته فى الداخل والخارج.

فالدولة التشاركية تتحول فى الداخل -عبر الإرادة المتولدة من إدارة الحكم- إلى دولة راعية لسكانها، عاملة على لَمّ شملهم، وتحقيق التوازن والتآلف بينهم، والدفاع عن هويتهم وثقافتهم، وحمايتها من أى تفكك أو تشظ. هذا فضلاً عن العمل الدائم نحو الاستجابة للحاجات المتغيرة للمجتمع، والعمل على تقديم خدمات اجتماعية ذات جودة عالية فى مجال التعليم والصحة والإسكان والثقافة، وتنفيذ القوانين بشكل قاطع، وتنفيذ كل صور العقاب على الفئات الخارجة على القانون وفقًا لطبيعة هذا الخروج وحجمه، وتفرض هذه المسئولية على نظام الحكم عبئًا كبيرًا فى تحريك المجتمع نحو الالتفاف حول مجموعة من القيم التى تمكن نظام الحكم من تحقيق هذه الأهداف، ومن أهمها قيم العدل والمساواة، والنزاهة والشفافية، والتسامح والثقة، والتعاون والتضامن. ولا سبيل إلى غرس هذه القيم فى جسد المجتمع، إلا من خلال تطبيقها من جانب رجال الإدارة والعاملين فى أجهزة الدولة وفى تقديم الخدمات. إن المسئولية الملقاة على عاتقهم تتجسد فى أنهم يجب أن يقدموا نماذج مثالية لتطبيق قيم العدل والنزاهة والشفافية والابتعاد عن الفساد والإفساد. وإذا ما دخل شركاء الدولة التنموية على منوال هذه القيم فى أداء شراكاتهم، فإن المجتمع برمته يتحول إلى آتون ضخم لإنتاج رأس المال الاجتماعى، وهو بدوره يشد من عود المجتمع، ويخلق فيه أحزمة رابطة، تعيد إنتاج نفسها بمزيد من العمل والمشاركة من كل الأطراف.

وعلى الصعيد الخارجى، تعمل الدولة التشاركية عبر الإرادة المتولدة من نظام الحكم على صناعة سياج يحمى المجتمع من الخطر الخارجى. إن الاستعداد للدفاع عن حدود الوطن وتقوية قدراته العسكرية أمر بديهى وضروري. ولكن سياج حماية المجتمع يتطلب جهدًا أوسع. ثمة حاجة هنا إلى تطوير وعى جمعى بطبيعة المخاطر التى تعانيها المجتمعات المعاصرة، ومن أهمها تحلل الروابط الجمعية، وانحسار القيم الإيجابية والتأثيرات السلبية للفضاءات الإليكترونية وما تحمله من تدفقات لا تخلو من مؤامرات وأفعال موجهة لتفتيت أواصر المجتمع. يفرض هذا الظرف على النظام الحاكم، وعلى شركاء التنمية بنفس القدر، العمل على الاصطفاف والوقوف بقوة ضد كل هذه التيارات التفكيكية، والعمل بشكل خاص على حماية القطاعات العريضة من الشباب من الآثار السلبية لها. لابد للدولة التنموية التشاركية أن تبنى جدارًا من التعليم والعلم والفن والثقافة لا للحماية فقط، ولكن لبناء العقول الصامدة، والأفئدة المطمئنة للأجيال الشابة، والعمل على دمجهم بقوة فى عملية بناء المستقبل.

ولا يمكن للنظام الحاكم فى الدولة التنموية التشاركية أن يقوم بكل هذه المسئوليات مع شركائه فى بناء الدولة دون الاعتماد على العلم. وأقصد هنا الاعتماد على الخبرة العلمية التى تدرس وتحلل وتطرح البدائل. فالقول الفصل الآن فى حوكمة المجتمع بعامة، والمخاطر بخاصة، يميل إلى القول بأن الكلمة الأولى يجب أن تنطلق من الاعتماد على الخبرة، وعلى البيانات الحقيقية، وعدم الركون إلى الشعارات الفضفاضة أو الآراء غير المدروسة. إن الاعتماد على الخبرة وعلى المعلومات الدقيقة والخطط المدروسة هو الذى يضمن قدرًا كبيرًا من الاطمئنان إلى سلامة النتائج وإلى تحقيق الآثار الإيجابية وتقليص الآثار السلبية إلى أقل درجة.

وأخيراً فإن كل هذه التوجهات فى الدولة التنموية التشاركية تحتاج إلى تقوية مبدأ الشراكة، وإلى تعميم الأساليب التى يتم الاعتماد عليها من كل فاعل فى الشراكة (الدولة، رجال الأعمال، المجتمع المدنى، المواطن)، مع الإيمان بتنوع هذه الأساليب. فمنظومة الشراكة لا تعمل إلا بجهود كل الأطراف، والتبادل الإيجابى للخبرات، والدفع إلى الأمام بالتجارب الناجحة، وإعطاء الفرصة بشكل دائم لأكثر البشر إخلاصًا وكفاءة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: