رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأسعار بين التسعيرة الجبرية والتخطيط

هل تصلح التسعيرة الجبرية لإعادة الانضباط الى السوق المصرية؟ وما تأثير ذلك على الأوضاع الاقتصادية بشكل عام ومستوى التضخم بشكل خاص؟ وإذا كانت الإجابة بالنفى، فهل هناك آليات أخرى تصلح لحل المشكلة الراهنة؟ كل هذه التساؤلات وغيرها أصبحت مجالا للنقاش والحوار داخل المجتمع، خاصة فى ظل ما تشهده الأسواق حاليا من فوضى غير مسبوقة فى تسعير العديد من السلع والخدمات الأساسية خاصة الغذائية منها (مثل السكر والأرز والألبان والدواجن والفاكهة الطازجة) والتى ارتفعت بنسبة ٧١٫٣٪ خلال أكتوبر 2023 وهى السلع التى تستهلكها الشرائح الاجتماعية الأقل دخلا حيث تمثل نحو ٤٤٫٦٪ من إجمالى استهلاك هذه الشريحة مقارنة بنحو ٢٠٫١٪ للشريحة الأعلى دخلا (وفقا لبحث الدخل والانفاق عن عام 2019/2020) الأمر الذى ألقى بمزيد من الأعباء المعيشية على كاهل هذه الاسر. هذا ناهيك عن ارتفاع معدل الفقر كنتيجة لآثار كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، التى حدت منها الإجراءات الحكومية الأخيرة مثل رفع الحد الأدنى للأجور الى 4000 جنيه شهريا وزيادة حد الإعفاء الضريبى الى 45 ألف جنيه سنويا، وزيادة المنصرف على برنامجى تكافل وكرامة الى نحو 31 مليار جنيه،مع زيادة القيمة من 620 جنيها الى 740 جنيها شهريا، وزيادة عدد الاسر الى نحو خمسة ملايين. فضلا عن زيادة الدعم الموجه للسلع التموينية الأساسية والخبز الى ١٢٧٫٧ مليار جنيه.كما قامت الحكومة مؤخرا بالإعلان عن مبادرة خفض أسعار بعض السلع الأساسية بالتنسيق والتعاون مع اتحادات الغرف التجارية والصناعات، حيث تم إعفاء العديد من السلع من الجمارك والرسوم لمدة ستة أشهر، مع منح الأولوية للسلع الأساسية والغذائية والأدوية ومستلزمات الإنتاج، بما يضمن إعادة دوران عجلة الإنتاج بكامل طاقتها، مما يزيد من المعروض السلعى وبالتالى يسهم فى تهدئة الأسعار.ورغم كل هذه الإجراءات فإن السوق مازالت تعانى من فوضى كبيرة فى أسعار العديد من السلع، من هنا طرح البعض ضرورة الرجوع الى التسعيرة الجبرية مرة أخرى. وهنا تجدر الإشارة الى ان هذه الآلية تم استخدامها فى مصر، عقب الكساد العظيم فى نهاية العقد الثالث من القرن العشرين، ومانجم عنه من آثار تطلبت إعادة النظر فى السياسة الاقتصادية التى كانت سائدة آنذاك، فتدخلت الحكومة لتثبيت أسعار الحاصلات الزراعية بعد ان ثبت لها ان رجال الأعمال لا يهتمون إلا بزيادة أرباحهم الاحتكارية على حساب المستهلك، فصدر المرسوم بقانون رقم 101 لسنة 1939 والذى وضع حدا أقصى لأسعار المواد الغذائية والأولية وأنشأ لجنة مركزية لتحديد الأسعار يرأسها وزير التجارة والصناعة، وتم إيقاف العمل به عام 1945، حيث أنشئت وزارة التموين والتى أنيط بها هذه المسألة، وتم العمل بالمرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 بشأن التسعير الجبري. كما تم تطبيق التسويق التعاونى لبعض الحاصلات الزراعية وتحديد أسعار بيع المدخلات اللازمة للإنتاج الزراعى والمخرجات التى يقوم بإنتاجها وهى العملية التى أوقفت بعد الانفتاح الاقتصادى والأخذ بآلية السوق بالكامل.ومع تسليمنا الكامل بأهمية آلية السوق فإننا نرى وكما ذكرت أحد تقارير البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، وبحق إن كان هناك انتصار للرأسمالية فليس هناك ما يستدعى الجشع الشخصى وهو ما أكده العالم الاقتصادى الفرنسى ميشيل بو قائلا بقدر ماتكون السوق آلية اقتصادية لاتعوض، بقدر ما يكون اللجوء إليها فى كل الأحوال أمرا من قبيل الجنون القاتل، وقد جاءت هذه التصريحات وغيرها بعد اتضاح الآثار السلبية التى نجمت من الاعتماد على الرأسمالية المنفلتة، وهو ما تكفل به العديد من الاقتصاديين المرموقين وعلى رأسهم ستجليتز كبير الاقتصاديين بالبنك الدولى سابقا وكذلك بول كروجمان وغيرهما من عتاة الفكر الرأسمالى وذلك حين اصطدموا بالنتائج السلبية التى برزت من خلال السير فى هذا النهج . من هذا المنطلق فإننا نرى انه ونظرا لصعوبة فرض التسعيرة الجبرية لأسباب عملية وعلمية والمشكلات العديدة التى يمكن ان تنجم عنها خاصة تشجيع السوق السوداء وارتفاع الأسعار لهذه السلع ناهيك عن عدم قدرة وزارة التموين بوضعها الحالى على مراقبة الأسعار بصورة صحيحة وغيرها من الآثار، وخير دليل على ذلك ما حدث فى سوق الأرز مؤخرا حينما حاولت الحكومة فرض تسعيرة جبرية من هذا المنطلق فهناك العديد من الآليات التى يمكن اتباعها لضبط الأسواق، كمطلب دستورى اشارت اليه المادة 37 منه.ولن يتأتى ذلك إلا من خلال وجود رقابة فعالة على الأسواق. لمواجهة الأفعال والتصرفات الضارة بالسوق، وكذلك لمواجهة الآثار السلبية الناشئة عن أفعال تهدف إلى الإضرار بالمستهلك. مع العمل على إصلاح قانونى جهازى حماية المستهلك وحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بغية اعطائهما المزيد من الصلاحيات وإعادة النظر فى الوضع الحالى لمجالس ادارتهما. كما يمكن التفكير فى إعادة إنشاء جهاز تخطيط الأسعار الذى كان معمولا به، داخل وزارة التخطيط، وفقا للقرار الجمهورى رقم 2017 لسنة 1971 والذى استمر العمل به حتى عام 1977 حيث كان يقوم باقتراح أسس السياسة السعرية وتحديد أسعار السلع والخدمات التى تتطلب حماية اجتماعية من جانب الدولة وتحديد المعايير الاسترشادية للتسعير وفقا للتكاليف الإنتاجية وكفاءة تشغيل المنشآت، مع تحليل هيكل الأسعار القائم ودراسة مكوناته ومقارنته بالأسعار الدولية والبديلة. كذلك العمل على إصلاح وتطوير المصانع المتعثرة والأصول غير المستغلة وتحولها الى أصول كفء عن طريق زيادة معدلات الكفاءة والإنتاجية لهذه الاصول . كما ان الامر يتطلب سياسة متكاملة للإصلاح تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع والمتغيرات المحلية والإقليمية وإجراءات مساندة للفئات الهامشية ومحدودى الدخل، وذلك انطلاقا من كون السياسة الاقتصادية يجب ان تظل فى خدمة الأفراد والمجتمع. إذ يجب ان يكون النمو مواليا للفقراء وموسعا لقدرتهم وفرصهم وخيارات حياتهم، وذلك فى إطار يهدف إلى توفير السلع الأساسية والضرورية للمواطنين، خاصة محدودى الدخل بأسعار فى متناول أيديهم.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: