من قال إن كثرة الكلام نقيصة للرجال، وقلة عقل، وضياع للهيبة؟.. هذا - ولا مؤاخذة - كلام فارغ.. إذ بدون الكلام كيف سنكون بشرًا؟.. أليس يُعرّف الفلاسفة الإنسان بأنه حيوان ناطق، يعنى حيوان يتكلم، ومن ثم يفكر؟ .. هيا تكلم يا باشا ورزقك على الله، واعمل بنصيحة عمّى وعمّك وعمِّنا كلنا، صلاح جاهين، الذى قال: عينى رأت مولود على كتف أُمُّه/ يصرخ تهنن فيه/ يصرخ تضُمُّه/ يصرخ تقول: يا ابنى ما تنطق كلام/ دا اللى ما يتكلمش/ يا كُتر هَمُّه .
.. ولماذا نذهب بعيدًا، ألم يقل سقراط، رحمة الله عليه، تكلم كى أراك؟.. وبالتالى فإن الآخَر لن يراك إن أنت ظللت صامتًا الصمت الرهيب، وأنت أيضا لن تراه. (طبعًا الكلام لازم يبقى بحساب.. ومش أى هرى وخلاص!).
بدون الكلام بيننا لا ثقة.. ولا حوار، وإن ضاعت الثقة، فلا أمان.. وسوف يسود الشك، ويتفشى سوء الظن، وكما تعلم جنابك فإن الشك هو الأب الشرعى للخوف، الذى يعطل البناء والانطلاق نحو الأمام والتقدم.
.. وإلى ذلك، فإن الكلام يعنى تبادل المعلومات، وطبعا الزمن زمن معلومات وبيانات وذكاء صناعى.. ووضوح وشفافية وحوكمة وما اعرفش إيه.. ولك أن تتخيل أقوامًا كتم كل من فيهم معلوماته فى بطنه، بذريعة الحجة التافهة: دارى على شمعتك تنوّر، ساعتها سينكمش كل واحد على شمعته الخايبة.. ولا شىء سوف ينوّر!.
..ثم إن الكلام فضفضة، والفضفضة( حتى لو على الفاضى)، تزيح الهم، وتشرح الصدر، وتساعد على الهضم والنوم الهانئ.. وعلى فكرة، إن كبت الأفكار، والاستئثار بها، هو أنانية، حيث ستمنع الآخرين من الاستفادة مما لديك، وسيحرمونك مما لديهم، وسيعيش كل منكم فى عالمه الخاص، وسلِّم لى على التنمية والتقدم.
وعلاوة على هذا، فإن حبس الكلام يؤدى إلى الكآبة، وربما لا سمح الله الاكتئاب، ولذلك نرى الأطباء النفسيين، وهُم يعالجون مرضاهم، يعقدون لهم جلسات جماعية يتحدث فيها كل مريض عن مكنون نفسه، بل عن أى شىء يخطر على بالِه، وذلك لإخراج المريض من سجن أوهامه وهواجسه وكوابيسه، بمشاركتها مع المحيطين به.
طبعًا حضرتك سوف تستحضر (قُفّة) المأثورات، والعبارات المحفوظة عن ظهر قلب، منذ زمن الجدات، على غرار: المرء مخبوء تحت لسانه، وأن الإنسان يظل كالبئر المغلقة إلى أن يتكلم، ولسانك حصانك، وكثير الكلام ينسى بعضه بعضًا، إلى آخر تلك المرثية الحزينة.
إنك إن نظرت إلى مبدعى الآداب والفنون والفلسفة والعلوم والغناء، بل السياسة، لوجدت إبداعهم كلاما فى كلام.
اسمع... إن فى الكلام ترويحا عن النفس، وتنشيطا للدماغ، وسكينة للفؤاد، فتكلم يا عم الحاج، وافعل كما فعلت السِّت أم كلثوم، حيث قالت: بقى يقول لى/ وانا اقول له/ وخلَّصْنا الكلام كله/ قريب وبعيد/ وبقينا نقول ونعيد!.
..ويبقى التنبيه على أن هناك خطرًا أعم وأشمل سينتج عن (كتمة الكلام)، ألا وهو أننا مع الأيام، سننسى معنى الكلام، وحينئذٍ قد نغنى مع محمد رشدى: منين أجيب ناس لمعناة الكلام يِتلُوه.. !.
لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات رابط دائم: