رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل يمكن التعايش المشترك؟!

هل يمكن التعايش المشترك بعد حرب ضروس تناثرت فيها الأشلاء والدماء على نحو لا نكاد نعرف له مثيلًا فى حياتنا المعاصرة؟ هل يمكن بعد أن رأينا جنديًا إسرائيليًا يتباهى بأنه قتل اثنين بطلقة واحدة عندما أمطر بالرصاص الحى سيدة فلسطينية تحمل جنينًا فأنهى حياتها هى ومن تحمله؟ هل يمكن أن يكون هناك تعايش مشترك بعد قصف المستشفيات على رءوس المرضى وتدمير المنشآت فى عدوانية وإجرام مهما تكن الأسباب والدوافع؟ إن إسرائيل دولة احتلال مسئولة بحكم الدعم الأجنبى لها والوقوف الأمريكى المطلق معها، فهل يجوز أن تتورط فى مجزرة بهذه الصورة؟ لقد كنا نتصور أن التعايش المشترك قد أصبح ممكنًا وتشدق الكثيرون بصلات الدم بين أولاد إبراهيم الذين يحملون قيم الكتب السماوية ورسالتها الداعية للأخوة والتسامح والمضى فى طريق واحد لأن الإنسان خليفة الله فى الأرض ليعمرها لا ليخربها، ليعيش ويبقى لا ليقتل ويمثل بالجثث ويرتكب الفظائع كما حدث فى إقليم غزة خلال الحرب الأخيرة، إن الجيش الإسرائيلى لم يدرك جيدًا أنه عندما أسرف فى قتل الأطفال وترويع الآمنين ونشر الرعب وتبنى الإرهاب الذى بدأ منذ عدة عقود بمذبحة (دير ياسين) حتى اليوم عندما كانت عصاباته تهاجم المدنيين بدعوى حقوق مغلوطة وكاذبة لهم فى أرض الميعاد وكأنما يتحمل الفلسطينيون مسئولية ما جرى لليهود فى بلادهم المختلفة نتيجة مواقفهم العنصرية وتطلعاتهم العدوانية فيكون الثمن هو أن يدفع الشعب الفلسطينى الفاتورة فى النهاية، إننى مثل غيرى من مئات الملايين فى أنحاء العالم نشعر بالجزع لما جرى ونأسى لما حدث، ونرى فيه عدوانًا على المبادئ الإنسانية والمشاعر المتحضرة بإزهاق الأرواح البريئة، وتحطيم المدن بالكامل، حتى إننا نظن أن هناك مئات من الضحايا ما زالوا مدفونين تحت أنقاض البنايات فى غزة وغيرها.. إننى أطالب مع غيرى من ملايين البشر بضرورة تشكيل دائرة خاصة من المحكمة الجنائية الدولية لمعاقبة مجرمى حرب غزة حتى يفيق ضمير الإنسانية، ويتطلع إلى هواء نقى لا تشوبه رائحة الدماء ولا تؤرقه جثث الأطفال، وسوف تبقى فى ذاكرة الأحياء منهم المشاهد الدامية والأحداث المروعة التى شاهدوها وهم يفقدون آباءهم وأمهاتهم، بل وأحيانًا كل ذويهم، ويجب أن يكون من اختصاص هذه المحكمة جمع الأدلة والوثائق أمام قضاتها المحايدين لكى يقولوا كلمة حق فى وقت غاب فيه الصدق وشاعت الأكاذيب ومطالبة بعض القوى الكبرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وغيرهما بضرورة مواصلة القتال حتى يتم القضاء على الشعب الفلسطينى بدعوى تعقب قيادات حماس التى قامت بحركة «طوفان الأقصى» بسبب استمرار الاحتلال والإعدام الميدانى للشباب الأعزل الذى لا يحمل إلا قطع الحجارة ليصوبها نحو جلاديه وهادمى بيوته وقاتلى أطفاله، ولعلى أطرح هنا بعض الملاحظات:

أولًا: إنه من المستحيل تصفية القضية الفلسطينية بالنزوح الكبير الذى يشبه نزوح عام ١٩٤٨ ليحيل باقى الفلسطينيين إلى شعب من اللاجئين بشكل مهين لكرامته مدمر لهويته، بل يجب السعى حثيثًا للوصول إلى أفكار جديدة للتسوية العادلة التى لا يدفع ثمنها إلا الفلسطينيون وغيرهم من شعوب المنطقة، خصوصًا دول الجوار مصر والأردن ولبنان.

ثانيًا: إنه من المتعين على القيادة السياسية الفلسطينية أن تعيد ترتيب أوراقها، وأن تنظم صفوفها فى ظل قيادة فلسطينية واحدة تشمل الضفة والقطاع معًا ولا تسمح إلا للمقاومة المشروعة بممارسة كفاحها لتحرير الأرض من النهر إلى البحر كما يقولون، ولا بد أن نشيد هنا بالبسالة المنقطعة النظير التى شهدناها من جانب الشعب الفلسطينى منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.

ثالثًا: إن الشعب الفلسطينى الذى يواصل النضال على امتداد ثلاثة أرباع قرن بالكامل لن يتوقف عن تحمل مسئولياته الوطنية والتزاماته القومية من أجل دماء شهدائه وعظام أطفاله وأشلاء نسائه.

رابعًا: يجب أن نعترف أن قيادة عرفات بكل ما كان لها وما كان عليها كانت عنصر وحدة للكلمة الفلسطينية التى يلتزم بها الجميع، وكانت نداءات عرفات بمثابة ناقوس يدق منبهًا كل فلسطينى إلى ضرورة الالتزام بتوجيهات قيادة واحدة من أجل النضال المستمر نحو إزالة الاحتلال بالطرق السلمية والمقاومة المشروعة معًا فى ظل الشرعية الدولية ونماذج المقاومة التاريخية التى انتهجتها شعوب كثيرة حتى تحقق النصر وتحررت أرضها بعد أن دفعت أغلى الأثمان.

خامسًا: إن الشعوب العربية مطالبة بالضغط السياسى دوليًا واقليميًا على سلطة الحكم فى إسرائيل لتغيير أساليبها والتعامل مع القضية الفلسطينية تحت مظلة الشرعية الدولية، والتوقف عن الممارسات التى لا تتماشى مع قواعد القانون الدولى بما فى ذلك تحملها لمسئوليات دولة الاحتلال كما نصت عليها القوانين والأعراف.

إنها رسالة تصدر من بين أرواح الشهداء والنفوس البريئة التى عمدت بالدم حريتها واشترت بالحياة مستقبل أجيالها القادمة.


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى الفقى

رابط دائم: