رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التخطيط والعمل الواعى طريق النهوض الحضارى

ليس هناك أثقل على النفس من بذل الجهد فى عملٍ لا أمل فيه ولا يُرجى من ورائه تحصيل نفعٍ ما؛ لذلك فإن الإنسان يتحتم عليه عندما يعزم على القيام بعملٍ ما أن يكون لذلك العمل دافعٌ وغايةٌ؛ فالدافع يُحرِّكُ هِمَّةَ الإنسان ويستنهض جوارحَه للقيام بالعمل، والغاية هى وقود ذلك السعى والهدف الذى يضمن الاستمرار فى هذا العمل وتحقيقه؛ فالعمل الواعى المنتِج لا يُمكن أن يؤتى ثماره بلا تخطيطٍ دقيقٍ يسعى لاستثمار كل الموارد المتاحة والطاقات الممكنة الاستثمارَ الأمثل، دون إهدارٍ أو تفريطٍ فى أيٍّ من تلك الموارد والطاقات.

وعملية التخطيط فى حقيقتها عملية مستقبلية ترتكز على استشراف المستقبل بشكلٍ دقيقٍ، وهو ما يُمكِّن الإنسان من توجيه الجهد فى مساره الصحيح لمواجهة كل التحديات التى من المتوقَّع مواجهتها مستقبلًا، وتلك النظرة المستقبلية تمثل جِبِلة أصيلةً فى النفس الإنسانية؛ لذا لم يكن الاهتمام بالمستقبل والتطلع إليه والإعداد له وليد هذا العصر؛ بل كان ظاهرةً إنسانيةً ضاربةً بجذورها فى القِدَم، واتخذت ألوانًا وطرقًا مختلفة. ومحاولات اكتشاف المستقبل قد مرت بالعديد من التطورات المتلاحقة عبر التاريخ، غير أن هذه المحاولات لم ترقَ إلى درجة البحث العلمى إلا فى العصور الحديثة.

وفى واقع الأمر، فإنَّ التخطيط للمستقبل وحسن الاستعداد لمواجهة مستجداته وأحداثه واتخاذ الأسباب اللازمة لمواكبة تطوراته دون الإخلال بمتطلبات الحاضر شأنُ ذوى العقول السليمة والفِطَر المستقيمة، بل هو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: «فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ» [يوسف: 47]؛ فأرشد إلى ضرورةِ التخطيط لما يُتوقع حصوله فى المستقبل، وضرورة أن يكون العمل واعيًا حتى يؤدى الغاية منه. ومن خلال هذا المثال يمكن لنا أن نقول: لو شرع الناس فى الزراعة فقط دون حفظ وادخار لضاع جهدهم وذهب عملهم بلا طائل، ولولا تخطيط نبى الله يوسف وتوجيهه بالادخار لسنين المجاعة لما كان العمل منتجًا.

لقد نبَّهت الشريعةُ الإسلاميةُ فى كثير من المواضع إلى ضرورة التخطيط، وأصَّلت له تأصيلًا يناسب أهميته وضرورته لحفظ الجهد الإنسانى من الضياع، وأكدت على أهمية التخطيط لملاقاة الشدائد والتصدى لها، كما أكدت أهمية مواكبة التطورات والاستفادة من منجزات كل عصر، وهو ما يجعل هذا التخطيط له أبلغ الأثر فى تحقيق ما ينشده الإنسان.

وهذه النظرة المستقبلية أصَّلها الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم عندما قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ» [الحشر: 18]؛ فمن هذه الآية الكريمة يتبين حرص الإسلام على تربية الفرد المسلم على العناية بمستقبله عنايةً لا تقل عن العناية بحاضره، وحثه على أن يكون استشراف المستقبل على الصعيد الدنيوى أو الأخروى قيمةً من قِيَمه الحضارية، ومقومًا من مقومات شخصيته.

إننا ونحن نتحدث عن النهوض الحضارى والتنمية الشاملة نُدرك تمامًا أننا نتحدث فى قلب عملية التخطيط؛ وذلك لأن حديثنا عن نهضتنا يقتضى بالضرورة النظر إلى إمكاناتنا البشرية وثرواتنا المادية وإرثنا الفكرى والروحي، والتفكير فى كيفية استغلال تلك الموارد وترشيد الطاقات واستدعاء ذلك الإرث فى عملٍ متناغم ومتوازن، وهذا بعينه هو جوهر التخطيط.

إنَّ النهوض الحضارى الذى يُمثِّل مستقبلنا وغايتنا، والذى عملنا عليه، وقد أمسكنا بخيوطه فى العقد الأخير تحت قيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى يتطلب منا ابتداءً وعيًا حقيقيًّا بقدراتنا وإمكاناتنا؛ بالإضافة إلى إدراكٍ لكمِّ المتغيرات التى تحصل من حولنا، وهذا الوعى هو ما يُشكِّل نقطة الانطلاق لتخطيطٍ استراتيجيٍّ حقيقي؛ فإنه يصعب تصور وجود تخطيط استراتيجى حقيقى فى ظل عدم الإيمان بأهمية ذلك التخطيط، وضرورته لمواجهة المستقبل بما يحمله من تقلبات وتغيرات.

إننا فى ظل إيمان القيادة السياسية بأهمية التخطيط والعمل الواعى قد أَمِنَّا مما عانته كثيرٌ من الدول فى ملف التنمية الاقتصادية بسبب التغيرات الجذرية التى طرأت على الصعيد الدولى وتصاعد المشكلات التى تواجه العالم النامي؛ هذه الأمور التى زادت من أهمية التخطيط الشامل بشكلٍ كبيرٍ؛ إذ تحولت التنمية من قضية اقتصادية إلى قضية حضارية امتزجت فيها كل عوامل النهوض الحضارى سواء كانت سياسية أو اجتماعية بجانب العوامل الاقتصادية.

وينبغى ونحن نؤصِّل لعملية التخطيط ودورها فى التنمية والنهوض الحضارى أن نعلم أن أكبر ما يواجه هذه العملية من معوقات هى البيروقراطية التى تثمر عن تعويق العمل، وقد استطاعت الدولة المصرية مواجهة هذه المعوقات والتخلص منها شيئًا فشيئًا من خلال زيادة الوعى بأهمية بلوغ الأهداف وتأدية الأعمال بأيسر الطرق لما لذلك من دور فى توفير الوقت والجهد الذى يساوى فى حقيقته توفيرًا للموارد المادية ويعمل على زيادة معدلات التنمية الاقتصادية.

كما تعلمنا فى طريق نهضتنا الحضارية أهمية التأنى والتحلى بالصبر والتريث حين التخطيط ثم الاجتهاد والعمل وَفق المخطط مع استهداف تقليل زمن التنفيذ، كل ذلك وَفق رؤية واضحة وتوازن بين عمليتى التخطيط والتنفيذ، وبين الموارد والإمكانات المتاحة، والأهداف المرصودة.

وفى النهاية نؤكد أن التخطيط الحقيقى هو بعينه الوجه الآخر لعملية النهوض الحضارى والتنمية الشاملة، والذى يُدعَم بالقراءة الدقيقة للواقع العالمي، والإلمام بنظريات وتجارب التنمية على مستوى العالم.

إن القيادة السياسية لا تدخر وسعًا فى التخطيط الدقيق من أجل التنمية، والتى تسير فى مسارها الصحيح، رغم العوائق والتحديات.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: