رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تألق الإعلام والدبلوماسية

تألق الإعلام المصرى خلال الأسابيع الأخيرة مع اندلاع الحرب فى غزة، وكان ذراعا طويلة ناعمة وفاعلة فى الداخل والخارج، اتسم بالكفاءة والموضوعية والمهنية العالية، واستطاع أن يحظى بثقة واهتمام جمهور واسع، وعبر عن آراء الشعب ومؤسسات الدولة، فكانت معزوفة وطنية رائعة تكاملت مع الجهود الدبلوماسية والمبادرات الشعبية لإغاثة الشعب الفلسطينى الشقيق. تمكن إعلامنا الوطنى بمختلف أنواعه المقروءة والمسموعة والمرئية من ترسيخ الوعى بأهمية وعدالة القضية الفلسطينية، وخاطب الداخل والخارج بلغة تخاطب الوجدان والعقل معا، لغة قادرة على الإقناع والتأثير دون مبالغة أو صخب، واستخدام الصورة والكلمة فى تكامل يستهدف إظهار الحقائق، وتعريف الأجيال الشابة بحقيقة ما يجرى فى غزة، وقصة احتلال أراضى الشعب الفلسطيني، ومعاناته التى امتدت 75 عاما، وأنها ليست شأنا فلسطينيا فقط، وإنما شأن وطنى مصري، فقد كانت ومازالت القضية الفلسطينية جزءا حيويا من اهتمامات مصر، وضحى من أجلها الجيش المصرى بالكثير من الدماء. كما خاطب إعلامنا جمهور العالم عبر فضائياته ومواقعه باللغات الأجنبية، وقدم المعلومة، والخلفية التاريخية للصراع، ومعاناة الشعب الفلسطيني، وما تبذله الدبلوماسية المصرية، التى اتسمت بقدر كبير من الموضوعية، التى تتناسب مع العقل الأوروبى والأمريكى وباقى دول العالم، وكان لخطابها تأثير كبير، سواء على الجماهير أو على صناع القرار، لأنه اتسم بالموضوعية دون تزيد أو مزايدة، موصفا الأوضاع وأبعاد الأزمة ومآلاتها بكل دقة وصدق، موضحا أنه بدون معالجة جذور الأزمة سوف يظل العنف يتولد، والضحايا يتزايدون، وتضيع الكثير من الأرواح، ومعها الكثير من فرص تحسين الحياة، فالدمار والقتل والذخيرة والسلاح كلها نفقات كان يمكن استثمارها من أجل حياة أفضل، بدلا من استخدامها فى الإيذاء وزيادة المعاناة، ولا يمكن توفير الأمن لطرف على حساب حقوق وحياة طرف آخر، ومن يظن أن بمقدوره استخدام القوة والقمع والتنكيل والقتل والاعتماد على أشد الأسلحة فتكا لسلب حقوق الشعب الفلسطينى فإنه واهم، لأن الشعب الفلسطينى لن يسكت على تلك المظالم، وسيكرس شبابه وطاقة أجياله من أجل الحصول على أراضيه ووطنه، ولا بديل لشعب عن وطنه.


تابعت مؤتمر السلام الذى عقدته القاهرة فور اندلاع الأزمة، وكان أول وأسرع تحرك دبلوماسي، واندهش البعض من دعوة مؤيدى إسرائيل إلى المؤتمر، ومما قالوه فى ذلك الوقت، وترديد عبارة «من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها»، تضايق البعض من استقدام من يتمسكون بهذه الحجة، لكن مقارعة الحجة كانت السبيل السليم، فلا فائدة ترجى من الكلام مع من يؤيدك فقط، لأن هذا تحصيل حاصل، ولا يضيف جديدا، وليس له تأثير على موازين القوى السياسية، والشطارة أن تستطيع استمالة من يؤيد خصمك، وتقنعه بالحجة السليمة والمنطق المتماسك، والرؤية البعيدة، وتخاطبه بالطريقة التى يفهمها، والتى تتقاطع مع خلفيته الفكرية، وأن يشعر بأن ما تقوله يحفر مسارا جديدا، يحقق أعلى فائدة، ويجنب العالم المزيد من المآسى والخسائر، ولهذا انتهى مؤتمر القاهرة للسلام وقد نقل للمشاركين رؤية جديدة، أثرت سريعا على مواقفهم التى بدأت تلين وتعتدل، بعد أن كانت مؤيدة لإسرائيل على طول الخط، ودون أى مراجعة أو تراجع، وبدأنا نسمع زعماء أوروبا يعدلون من خطابهم، الذى بدأ يتوازن تدريجيا، يتكلم عن حق إسرائيل فى الدفاع عن النفس، لكنه أيضا يدين الممارسات الإسرائيلية الوحشية ضد المدنيين من النساء والأطفال، ويعلنون أنهم مع إعلان الهُدَن الإنسانية، وإرسال مساعدات إغاثة سريعة للشعب الفلسطيني، وبدأت الدبلوماسية المصرية تعيد إحياء مسار مفاوضات سلام جدية، تستند إلى العدالة واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني، وروجت إلى أن هذا الحل هو الطريق الوحيد نحو حل جذرى للقضية الفلسطينية، وجاء الطرح فى الوقت المناسب، الذى لا يمكن لإسرائيل أن ترفضه، لأنها لو فعلت ذلك ستكون فى مواجهة مع مؤيديها، فكان التأثير واضحا وجليا.

إن التألق الإعلامى المصرى يؤكد امتلاك مصر كوادر إعلامية لديها الكفاءة والقدرة، ويمكنها أن تقدم الكثير، وأن تستعيد قدرا كبيرا من تأثير واحد من أهم أعمدة القوة الناعمة المصرية، وأن مصر تمتلك بنية تحتية إعلامية جيدة، يمكنها استثمارها وتطويرها لتكون أكثر قدرة على الوصول إلى جماهير متنوعة فى مختلف دول وقارات العالم، وأنها قريبة من عقل ووجدان الشعب المصري، وكان له دور مهم فى حملات المقاطعة الناجحة للشركات الممولة للعدوان على الشعب الفلسطيني، وهى حملة من أروع ما قدم المصريون من مختلف الأعمار، من الأطفال والشباب إلى كبار السن، الجميع تباروا فى إنجاح الحملة، وجعلوها تشجيعا للمنتج المصري، فحققت هدفين مهمين فى وقت واحد، وكان النجاح الأكبر فى أنها عبرت عن تشكيل وعى جديد، ووجدان وطنى قوي، قادر على التحدى وعازم على النجاح، ومستعد للتضحية، وهذا النجاح يعطينا الأمل فى أن تستطيع أجيالنا الشابة تحقيق الكثير فى مجالات أخرى، على رأسها التنمية، والقدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على النفس، ودعم المنتج الوطنى على طول الخط، وليس فى مناسبة دعم الشعب الفلسطينى فقط.

ولقد أثبتت الدبلوماسية المصرية أنها الأكثر فعالية وتأثيرا، وكانت متواجدة وبقوة فى كل المحافل وعلى كل مسارات الأزمة فى وقت واحد، تحدثت مع مختلف الأطراف المؤثرة، وشاركت فى كل المفاوضات، وكانت الطرف الأكثر تأثيرا، حتى لو لم تكن الأعلى صوتا، والدليل واضح للغاية، فمعظم الدول المؤثرة، إن لم تكن جميعها قد تبنت الموقف المصرى المعلن منذ البداية، فما يتردد الآن فى كل المحافل الدولية هو ما طرحته مصر عن حل جذرى للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس، وهذا النجاح المذهل بدأ يشق طريقه بقوة، ولم يكن أحد يتخيل أن دوائر واسعة معروفة بتأييدها المطلق لإسرائيل سوف تتبنى هذا الطرح.

إن ما حققناه فى هذه المعركة جدير بالتأمل، ويعيد ثقتنا فى قدراتنا، سواء الإعلامية أو الدبلوماسية، وكل فرد فيها يستحق الإشادة، وكانت الأدوار متكاملة بشكل تلقائى وكأننا فريق موسيقى واحد يعزف سيمفونية أخاذة، وبالطبع كان الرئيس عبدالفتاح السيسى القائد الذى منحنا تلك الثقة وحقق بنا هذا النجاح.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: