رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصمود الأسطورى لغزة وأسئلته! «٢ ــ ٢»

تناول الجزء الأول من هذه المقالة أبعاد المعاناة الهائلة لأهل غزة الأبطال، وما كشفت عنه أو أكدته من نيات إسرائيلية لتفريغها من سكانها لاستكمال المشروع الصهيونى على أرض فلسطين، وما يتعين عمله لنصرة غزة وأهلها، وأول خطوة فى هذا الصدد هى وقف العدوان الهمجى عليهم بوقف دائم لإطلاق النار، ومع نشر هذه المقالة كان صمود المقاومة ونجاحها فى إفشال الهدف الإسرائيلى فى تحرير الأسرى والرهائن بالقوة، وزيادة الضغوط الدولية على إسرائيل بما فى ذلك ضغوط أمريكية غير معلنة نتيجة التحولات الواسعة فى الرأى العام العالمى عمومًا والغربى خصوصًا، إضافة لضغوط داخلية إسرائيلية من أسر الأسرى والرهائن والمتعاطفين معهم-كان ذلك كله قد أجبر إسرائيل على قبول هدنة مؤقتة لأربعة أيام قابلة للتجديد يتم فيها وقف إطلاق النار ومنع تحليق الطيران الإسرائيلى فى أجواء غزة، وزيادة وتيرة إدخال المساعدات عبر معبر رفح بما فى ذلك الوقود، ورغم بعض معوقات التنفيذ التى نسبتها حماس لإسرائيل فقد تم تبادل أربع دفعات من الأسرى بنجاح حتى كتابة هذه السطور، بل لقد أُعلنت موافقة الطرفين على تمديد الهدنة ليومين آخرين، بحيث أصبحنا إزاء سيناريوهين محددين: إما أن يتواصل التمديد حتى يتم إطلاق سراح جميع الأسرى الموجودين لدى فصائل المقاومة الفلسطينية مقابل جميع الأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية، وسوف يمثل هذا إنجازًا للإسرائيليين بطعم هزيمة حقيقية للفشل الذريع لاستراتيجيتهم المتغطرسة الخاصة بتحرير الأسرى والرهائن بالقوة، فهاهم بعد شهر ونصف الشهر من قتال بين الجيش الذى لا يُقهر وفصائل المقاومة فى غزة يعجزون عن فرض إرادتهم عليها، بينما مثل ما تم حتى الآن من نجاح لعملية التبادل أول إنجاز ملموس للمقاومة يترتب على «طوفان الأقصى»، ولو اكتمل هذا السيناريو فمن المرجح أن يخلق مناخًا يُصَعب على الإسرائيليين تنفيذ تهديداتهم التى لا يملون من تكرارها باستئناف القتال حتى يتم تحقيق الهدف المستحيل لاجتثاث حماس كما يحلمون، وهو مستحيل لأنها ليست مجرد فصيل مسلح، كما أنها ليست الفصيل المسلح الوحيد فى غزة، ناهيك بأن المقاومة تعبير عن حالة وطنية فلسطينية وليست مجرد عصابات مسلحة إرهابية كما يدعون، ولم يشهد تاريخ حركات التحرر الوطنى الحديثة حالة واحدة أمكن فيها اجتثاث مقاومة شعب، فماذا عن السيناريو الثانى؟

يتمثل هذا السيناريو الثانى فى استئناف القتال بعد انتهاء اتفاق الهدنة، سواء لتعثر استكمال تنفيذه أو لاستكمال هذا التنفيذ وفقًا لمبدأ الكل مقابل الكل، بحيث لا يبقى أسير إسرائيلى لدى المقاومة ولا أسير فلسطينى لدى إسرائيل، ويثور احتمال تعثر استكمال الاتفاق من مشكلات إجرائية فى التنفيذ، كما حدث قبل تنفيذ الخطوة الثانية للتبادل، لكنه ممكن أن يترتب أيضًا على تشديد المقاومة لشروطها عندما يصل الأمر إلى العسكريين، وبالذات أصحاب الرتب العليا منهم، ومع ذلك تبقى حظوظ هذا الاحتمال فى الحدوث أقل على ضوء فشل البديل العسكرى طيلة شهر ونصف الشهر فى تحرير أى رهينة بالقوة، وعدم التأكد من كسر نموذج صمود المقاومة وإيقاع المزيد من الخسائر فى صفوف الإسرائيليين، ناهيك بأن المقاومة كسبت ببراعة المعركة الإعلامية بعد المشاهد التى رآها العالم لإطلاق سراح النساء والأطفال الإسرائيليين، والتى عكست حالة من الدفء والمودة فى العلاقة مع رجال المقاومة، كما ظهر بشكل مؤثر فى رسالة الشكر الحميمة التى وجهتها امرأة إسرائيلية لآسريها وطفلتها عرفانًا بمعاملتهم الإنسانية الفائقة لها، أما احتمال أن تعود إسرائيل للقتال فور استكمال عملية التبادل بالكامل فيبدو صعبًا لعدة أسباب أولها أن القتال سيفقد جانبًا أساسيًا من شرعيته وهو تحرير الرهائن، وثانيًا لأن تحولًا حقيقيًا حدث فى دوائر الرأى العام العالمى، وبدأت آثاره تتجسد بالتدريج، ويكفى أن نشير إلى التصريحات الرسمية الأمريكية على أعلى مستوى الخاصة بتأييد وقف إطلاق النار ورفض التهجير وتأكيد حل الدولتين، بل والتلميح لأول مرة بإمكانية فرض شروط على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، كما أن مسئول السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى أقر علنًا بأن إسرائيل قد تجاوزت حق الدفاع عن النفس، فضلًا عن المواقف الأوروبية المؤيدة للحق الفلسطينى، وآخرها موقفا رئيسى الوزراء البلجيكى والإسبانى فى مؤتمرهما الصحفى أمام معبر رفح بعد لقائهما الرئيس السيسى، وثالثًا لأن أى يوم إضافى من العودة إلى استراتيجية القتل بلا عقل ولا ضمير وفقًا لتعبير الرئيس سوف يزيد من عزلة إسرائيل بل ومعارضة المزيد من حكومات العالم لنهجها الهمجى، فضلًا عن احتمال مزيد من الضغوط الإسرائيلية الداخلية مع تواصل الخسائر الفادحة فى ميدان القتال، ورغم كل هذه الكوابح التى تجعل استئناف إسرائيل لغاراتها الوحشية على غزة بديلًا غير رشيد فإن الرشادة تغيب أحيانًا عن صناع القرار وبالذات أصحاب العقليات المتحجرة منهم.

وتتمثل المفارقة بالنسبة لإسرائيل فى أنه أيًا كان سيناريو المستقبل القريب سواء تمثل فى استدامة وقف إطلاق النار أواستئناف العمليات العسكرية الهمجية الإسرائيلية فإن النتيجة ستمثل هزيمة سياسية لإسرائيل، فاستدامة وقف إطلاق النار على الوضع الحالى يعنى الانطلاق لأفق سياسى، وهو ما يمثل عجزًا عن تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة لكل ما تم من قتل وتدمير، واستئناف القتال يزيد من عزلة إسرائيل وتزايد الضغوط عليها، ناهيك بسيناريو صمود المقاومة، وهو سيناريو وارد على ضوء خبرة التاريخ وأيام القتال قبل وقف إطلاق النار، وحتى لو خسرت المقاومة لا قدر الله هذه الجولة العسكرية فإن إسرائيل ستجد نفسها غارقة فى بحر من المعضلات التى أوجدها عدوانها الهمجى على غزة، وهذا حديث آخر.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: