رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مبدأ سيادة القانون

يُمثل مبدأ سيادة القانون أحد أهم المفاهيم المعبِّرة عن الفكر القانونى العالمي، وبغض النظر عن المصطلح ذاته وعن مفهومه الذى ينتابه التغيير تبعًا للمؤثرات الاجتماعية والسياسية ومن قبلها الأيدليوجية، فإن رسوخه كفكرة لها مضمون واضح هو أمرٌ قديمٌ قِدَم السلطة ونشأتها فى المجتمع الإنساني.

ومبدأ سيادة القانون يُشير إلى ذلك الوضع الذى يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والهيئات خاضعين لسلطة القوانين بشكل متساوٍ وعادل، وذلك المفهوم هو ما يحقق العدالة والاستقرار والمساواة داخل المجتمعات بصفة عامة، وهذا المبدأ هو عنصر من عناصر دولة القانون، وهو مبدأٌ يتناغمُ وينسجمُ مع روح الإسلام.

وقد نصَّت كثير من الدساتير العربية على هذا المبدأ صراحةً، ومنها: الدستور المصرى المعدل 2019، فقد جاء فى نص المادة رقم (94): «سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة، وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته وحَيْدَته ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات».

وإذا ما أردنا أن نستكشف موضع مبدأ سيادة القانون فى الشريعة الإسلامية فإننا يجب علينا ابتداءً التفريق بين سلطة الدولة وسلطة القانون؛ فالخلط الحاصل بين المفهومين وتأثيرهما فى تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أنشأ فهمًا مضطربًا بخصوص النظرة الإسلامية لمبدأ سيادة القانون، وذلك بناءً على استدعاء بعض الصور التاريخية لنماذج من دولٍ إسلامية استعملت سلطة الدولة ومحاولة جعل ذلك التصرف مرادفًا لسلطة القانون، وهو ما يتناقض مع مبدأ سيادة القانون الذى تخضع فيه الدولة نفسها لمنظومة القوانين فيها.

فالحاصل أن الممارسات التى انتهجتها بعض السلطات الحاكمة عبر التاريخ، وتمت بعيدًا عن مبدأ سيادة القانون لا ترتبط بالأيدليوجية التى انتمت إليها تلك السلطة، بقدر ما ترتبط بدوافعها ورغبتها فى احتكار القرار والتشريع، وذلك النمط هو ما يحاول أن يُصدِّره المتطرفون باعتباره النمط الإسلامى الصحيح، وهو أمرٌ خلاف الحقيقة.

فبالنظر إلى التاريخ التشريعى الإسلامى بعيدًا عن محاولة اجتراره ومحاكمته لوقائع تاريخية نرى أن المدارس الفقهية المختلفة التى تأسست بعد انقضاء عصر النبى وصحابته والتابعين أسست لقانون إسلامى مستنبط من الأصول والأدلة الشرعية المتمثلة فى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس ونحوها.

ومن خلال اجتهاداتهم التى تمثل العمل البشرى للفقيه بدأ التأسيس لأنظمة قانونية متكاملة، هى فى حقيقتها وَضْع بشرى يدور فى فلك الأصول الشرعية، بناءً على ما يحقق مصالح العباد وينظم شئونهم.

ومن هنا أصبحت تلك التشريعات ملزمة للجهة القضائية، ولم يكن بوسع القاضى تجاوزها إلا إذا كان يملك ردًّا قانونيًّا يسمح له بذلك، سواء عن طريق مشورة أهل العلم فى القضية المطروحة، أو استخلاص فتوى تؤكد ضرورة إضافة بند أو تعديله أو استب-دال غيره به.

لقد كان مبدأ سيادة القانون مستقرًّا على نحو عجيب فى الفكر الإسلامي، وكان مجرد محاولة تجاوز القانون المعمول به والمتفق على إنفاذه بمثابة إهدار لهذا المبدأ.

وإنَّنا بحاجة اليوم لأن نفهم أن مبدأ سيادة القانون من المبادئ التى ترتكز عليها ممارسة السلطة وتنظيم الاجتماع البشري، وأن محاولة إقصاء ذلك المبدأ من الفكر القانونى الإسلامى بمثابة عبث، لكونه من الأمور المستقرة فى الفكر التشريعى الإسلامى كما تقدم، وإنَّ دعوات عدم الالتزام بالقوانين بحجة كونها وضعية أمر فى غاية البعد عن فهم الشريعة، بل عن فهم طبيعة القانون نفسه.

فعملية إنشاء القوانين واعتمادها من الجهات المختصة فى الدولة تكيَّف فقهيًّا على أنها عملية إنشاء عقود بين أطراف اعتبارية، هم الحكَّام والمحكومون، أو السلطة المنتخبة والشعب؛ فالشعب ينتخب سلطته لتكون وكيلًا عنه فى ضبط علاقات المجتمع من خلال تشريع القوانين وتنفيذها، والأصل فى العقود الإباحة ما لم تتعارض مع الشريعة فى إباحة حرامٍ أو تحريم مباحٍ.

وقد حَثَّت الشريعة الإسلامية على ضرورة الوفاء بالعقود والمحافظة على العهود فقال الله تعالى:«يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..»، وقال سبحانه وتعالى: «..وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلَّا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا».

فما دامت القوانين واللوائح المنظمة تحقق مصالح المجتمع ولا تخالف أصول شريعتنا، وتُصاغ فى إطار سلطة الحاكم التى كفلتها له الشريعة الإسلامية بما يضمن الحفاظ على أمن المجتمع واستقراره فلابد من التزامها والحفاظ على سيادتها.

يقول ابن خلدون فى مقدمته: «إن سلطان الدولة يجب أن يستند إلى شرع منزل من عند الله، أو إلى سياسة عقلية تُراعى فيها المصالح العامة».

إنَّ على الجميع -أفرادًا ومؤسسات- احترام القانون؛ إذ لا يُتصور قيام دولة بغير قانون، يخضع له الجميع، وتسير على ضوئه حياة المجتمعات على وجه مستقر، يكفل استتباب الأمن وتحقيق العدالة وضمان الحقوق.

إن إعمال مبدأ سيادة القانون هو أحد الأركان المهمة لنهضة الأمة واستقرارها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا، وهو مبدأٌ لا تنفك عنه الدول المتقدمة ولا تتخلى عنه تحت أى ظرفٍ كان؛ ذلك أن نهضة الدول لا تقوم إلا بسيادة القانون.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: