رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدولة التنموية التشاركية

درجت النظريات السياسية على تصنيف النظم السياسية وفقا لمعايير محددة. ومن أهم هذه المعايير طبيعة الأيديولوجيا السائدة داخل النظام، حيث تتراوح النظم بين قطبين: النظم الرأسمالية من ناحية والنظم الاشتراكية من ناحية، مع الاحتفاظ بإمكانية وجود تنويعات من كليهما. وفى مقابل هذا التصنيف ترد تصنيفات أخرى تعتمد على معايير مختلفة، من ذلك على سبيل المثال درجة التباين بين وظائف النظام السياسى، ومدى تحقيقه للحاجات المجتمعية، ومنها درجة التنافسية التى يسمح بها النظام السياسى بين الجماعات والقوى الفاعلة فى الساحة السياسية، ومنها درجة شمولية النظام واحتوائه لسكانه تحت مبادئ عامة. ومع شيوع كل هذه التصنيفات فى الفكر السياسى، إلا أن التجارب التى خاضتها دول بعينها من الدول التى صنفت لزمن تحت دول العالم الثالث، والتى حققت قدرًا كبيرًا من النجاح مثل تجربة الصين، وتجربة ماليزيا، وتجربة سنغافورا، والتجارب الصاعدة الآن فى الهند وفى بعض دول أمريكا اللاتينية. لقد قدمت هذه التجارب مفهومًا جديدًا وهامًا فى تصنيف الدول، هو مفهوم الدول التنموية. ولقد بدأ هذا المفهوم يتردد فى الأدبيات السياسية منذ أن صاغه الاقتصادى تشالمرز جونسون فى كتابه حول النموذج اليابانى للتنمية الذى نشر عام 1882م، ودارت حوله الكثير من المناقشات.

وأحسب أننا بحاجة إلى أن نعاود النظر فى هذا المفهوم، وأن نعيد صياغته بشكل ملائم لكى يكون مفهومًا استرشاديا فى بناء مستقبل التنمية فى مصر. ولعل هذا السبب هو الذى دفعنى إلى أن أضيف إلى المفهوم الشائع حول الدولة التنموية مفهوم التشاركية. وسوف أتجه فيما تبقى من هذا الحديث إلى استجلاء المفهوم بهذه الصياغة.

تفهم الدولة فى هذا السياق على أنها كيان سياسى مستقل، له حدوده الواضحة، وله سكانه، وله أجهزته التنفيذية والتشريعية والقضائية، وله أدواته فى تحقيق حوكمة رشيدة تقوم على مبادئ العقلانية والمحاسبية والشفافية، وفى ظل قيادة رشيدة صاحبة إرادة سياسية مستقلة، تساعدها فى أداء مهامها مجموعات متميزة من الخبراء. وتعمل أجهزة الدولة على تحقيق الوظائف التى تجعل الدولة بالمفهوم العام تستمر فى الوجود قوية فى الداخل والخارج. لا تنشغل أجهزة الدولة فى الدولة التنموية التشاركية فقط بوظائف تحقيق الحماية والأمن وصون الحقوق فى الداخل، وحماية حدود الوطن ورعاية مصالحه فى الخارج. بل إنها توسع من وظائفها لتصبح محركًا لعمليات التنمية وشريكاً فيها، وتصبح هذه الوظيفة جوهرية تفرض على أجهزة الدولة وظائف فرعية عديدة من أهمها إنتاج الرؤية التنموية، وتحديد مبادئها العامة، ومساراتها وطبيعة الشراكة فيها، ووضع المبادئ الحاكمة لتوجيه الاستثمار لكى يحقق تراكمًا للثروة من ناحية، ويفتح المجال لمزيد من فرص العمل من ناحية أخرى، ووضع الأسس لضبط الأداء المهنى لتحقيق أعلى درجة من الالتزام الأخلاقى وصون مبادئ العدالة والمساواة وقيم الإنجاز والمحاسبية ونبذ الفساد بكل صوره؛ وتقديم نموذج شفاف ونقى للإدارة، وإنتاج سياسات لتحقيق الشمول المالى والشمول الاجتماعى، وتمهيد الساحة نحو خلق إجماع عام على المبادئ والتوجهات والعمل على خلق تحالف سياسى واجتماعى من أجل تحقيق هذه المبادئ على أرض الواقع.

ولا تستطيع الدولة التنموية أن تحقق كل هذه الوظائف إلا فى ضوء شراكة عمومية بين كل الفاعلين فى المجتمع. ومن هنا كان وصف الدولة التنموية بأنها دولة تشاركية. وتتأسس الشراكة على مبدأ أخلاقى نابع من مفهوم المسئولية الاجتماعية أو المسئولية الأخلاقية. وتعد الدولة هى الشريك الأول، وتتأسس مسئوليتها الأخلاقية فى الالتزام بمبادئ الدستور والحرص على تطبيقها على أرض الواقع بكل دقة واقتدار، والقيام بكل وظائفها التى أشرنا إليها على نحو مثالى، بحيث يتحول الأداء داخل مؤسسات الدولة إلى نموذج مثالى يتم الاقتداء به. ثم يتوالى بعد ذلك الشركاء الآخرون. يأتى فى مقدمتهم رجال الأعمال وروادها، وهم فئة هامة يجب أن تفتح لهم الدولة كل الامكانات لاستغلال قدرتهم المادية والتنظيمية لتحقيق الأهداف العامة للمجتمع عبر الدخول فى أتون الاستثمار الزراعى والصناعى والسياحى والتجارى. وتنطلق شراكة رجال الأعمال من المسئولية الأخلاقية تجاه العمل على تعظيم ثروة الأمة. من هذا المنطلق الأخلاقى فإن استثماراتهم يجب أن تتجه نحو خلق القيمة المضافة (التى تتشكل فى شكل ثروة مضافة)، والابتعاد عن الاستثمارات التى تجنى الأرباح من عمليات نقل الثروة وتداولها عبر العالم. إن التمييز بين خلق الثروة وبين نقلها عبر الأيادى والبنوك من خلال العمليات التجارية فقط. أما الشريك الثالث فهو المجتمع المدنى. يقوم العمل فى المجتمع المدنى على التطوع والمساندة، وحشد الجهود الأهلية نحو تحقيق الأهداف العمومية. حقيقة أن المجتمع المدنى يمكن أن يؤدى دوراً تنموياً إنتاجياً، ولكن ليس هذا هو جوهر أخلاقياته، أو مسئوليته الأخلاقية. إن جوهر أخلاقياته يرتبط بدوره فى الدعم والمساندة، الذى يعمل على تكوين أرصدة من رأس المال الاجتماعى (الذى يعرف دائماً بمؤشرات التطوع والاندماجية والثقة واحترام الآخر والتسامح). فلا سبيل إذن إلى تحقيق أهداف الدولة التنموية إلا بتكوين هذه الأرصدة من رأس المال الاجتماعى، التى تنتهى إلى التماسك والتضامن. وأخيراً يأتى دور المواطنين، كل فى مكان عمله. وتتحدد المسئولية الأخلاقية للمواطن فى إرساء مبادئ المواطنة، انطلاقاً من معرفة الحق والخير، ومعرفة الواجب، والقدرة على العطاء المستمر.

وأخيرا فقد يكون حديثى عن الدولة التنموية التشاركية حديثاً مثالياً، ولكن يبقى التعلق بالمثل والاشتباك معها طريقاً نبيلاً نحو تحقيق الأهداف.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: