رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر وفلسطين.. لا تفريط ولا تراجع

تواصل مصر جهودها، من أجل حصول الشعب الفلسطينى على حقوقه المشروعة، فى إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، بعد النجاح الذى حققته فى التوصل إلى هدنة مؤقتة، من أجل تبادل المحتجزين من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلي، وزيادة حجم الإمدادات اليومية لسكان غزة، وتزويدهم بالوقود والأغذية والمياه والمستلزمات الطبية والملابس والخيام ومختلف الاحتياجات. وكانت الجهود الدبلوماسية المصرية قد أثمرت هذا الاتفاق بالتعاون مع دولة قطر الشقيقة والولايات المتحدة، لكنها لن تتوقف عند هذا الإنجاز الجزئي، وتشدد جهودها من أجل تمديد الهدنة، حتى الوصول إلى وقف كامل لإطلاق النار، يفتح الطريق أمام مفاوضات حل دائم وشامل للقضية الفلسطينية. وتأمل مصر أن تكون الأحزاب الإسرائيلية والرأى العام قد استوعبوا درس الحرب، وأن يدركوا أن الاستمرار فى الاستيلاء على الأراضى ومواصلة الاحتلال ستكون لهما عواقب وخيمة، ولن ينعموا بأى استقرار، وأن الرأى العام العالمى قد انقلب على إسرائيل، عندما شاهد تلك المجازر المروعة التى ارتكبتها القوات الإسرائيلية، وقتلها ما يقرب من ستة آلاف طفل وأربعة آلاف امرأة، من بين حوالى 14 ألف شهيد فلسطيني، خلال العدوان المرعب على غزة، والقصف المتعمد للمستشفيات ودور العبادة والمساكن المأهولة، ومع ذلك لم تحقق إسرائيل مكسبا ملموسا فى تحقيق هدفيها المعلنين : الإفراج عن المحتجزين بدون قيد أو شرط، والقضاء على حركة حماس، وجاء الإفراج المتبادل عن محتجزين من كل طرف ليؤكد الفشل الإسرائيلى فى الاحتكام للقوة المفرطة، وستضطر إلى الجلوس على مائدة المفاوضات إذا أرادت حلا جذريا للقضية الفلسطينية، وضرورة أن تكف عن الغطرسة والاعتقاد أن بمقدورها استخدام القوة للاستيلاء على الأراضى وطرد سكانها الحقيقيين، وأن تأتى بمستوطنين من مختلف دول العالم ليحلوا محلهم، فالحرب ستؤدى إلى هجرة عكسية، أو على الأقل عدم قدوم مستوطنين إلى مكان لا يتوافر فيه الأمن ولا الاستقرار، وستعانى إسرائيل طويلا النتائج الاقتصادية للحرب، والخسائر الضخمة التى لحقت بها، وتراجع إنتاجها، وانكماش اقتصادها، وتراجع عملتها، وتوقف السياحة، غير ما لحق بجيشها ومعداتها ومعسكراتها من خسائر وإنفاق كبير.

لقد لعبت الدبلوماسية المصرية دورا فعالا وهادئا قبل اندلاع الحرب وأثناءها، وترمى إلى إقناع أصدقاء وداعمى إسرائيل بتغيير سياساتها، وأن ما تفعله إسرائيل سيكون من شأنه أن يلحق الأذى بالمنطقة والعالم، وينفض أصدقاؤها من حولها، وقد رأينا التحولات فى المواقف الأوروبية، والتغيير النسبى فى المواقف الأمريكية، وكان الدور المصرى حاضرا بهدوء وفاعلية فى تلك التحولات، لأنها تخاطب العقل الغربى بالطريقة التى تحقق أعلى مردود عملي، وليس مجرد تسجيل مواقف أو الظهور الإعلامي، وإنما النقاش الموضوعى والعقلانى الذى يبين الخسائر لدى كل الأطراف، التى كان بالإمكان تجنبها، إذا ما تجاوبت القيادات الإسرائيلية المتعاقبة مع المبادرات العربية، خاصة الجهود والنصائح المصرية التى سبقت اندلاع الحرب، وحذرت من الحملات التى يشنها المستوطنون على مدن الضفة الغربية، واقتحام المسجد الأقصى تحت حراسة الجنود الإسرائيليين، والتأكيد أن تلك الاستفزازات ستؤدى حتما إلى حالة من الاضطرابات، فلا يمكن لشعب أن يحتمل ما ترتكبه إسرائيل من جرائم فى حق السكان والأرض، فتهدم المساكن بحجج واهية أو دون حجة، وتمضى فى تهويد القدس لفرض أمر واقع، بالمخالفة للقوانين الدولية، وتحاصر غزة، وتمنع عنهم كل مقومات الحياة الكريمة، فارتفعت البطالة إلى معدلات هائلة، وعانى السكان تردى الأوضاع، وكان الانفجار حتميا، سواء فى غزة أو مدن الضفة الغربية.


حمل الرئيس السيسى ملف معاناة الشعب الفلسطينى خلال جولاته الخارجية واستقباله قادة الدول الصديقة، وتحدث طويلا مع الإدارة الأمريكية، محذرا من مغبة تلك السياسات، وحدد الطريق نحو التسوية وتجنب الآلام والمخاطر، وحذر من توسع الحرب التى يمكن أن تكون وبالا على المنطقة والعالم، والتى ستجر إليها قوى إقليمية ودولية، وستؤدى إلى مخاطر لا يمكن تصورها، وأدركت الولايات المتحدة ودول أوروبا أن تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسى كانت فى محلها، وأن العالم مقبل على كارثة جديدة تفوق فى مخاطرها الحرب الأوكرانية، وتحركت الدبلوماسية المصرية على عدة مسارات، منها مؤتمر القاهرة للسلام الذى كان يخاطب أصدقاء إسرائيل، وكان مدخلا مهما لتعديل مواقف تلك الدول الداعمة لإسرائيل، وفرصة لأن تسمع لرأى آخر يقدم تصورا واضحا وشاملا ومقنعا، والمسار العربى الذى تجلى فى مؤتمر القمة العربى والإسلامى فى الرياض، الذى حظى باهتمام وترحيب من جميع دول العالم، حيث رأوا فى مقرراته أنها تسعى بالفعل إلى حل عادل وشامل، ووسع دائرة الحوار العربى مع مختلف دول العالم، وأسهم فى تشكيل رأى عام دولي، تشابك مع الرأى العام الشعبى فى الكثير من بلدان العالم، حتى وجدت إسرائيل أنها محاصرة، ولا أحد يقف إلى جانبها، وتغيرت لهجة قادة أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة، والمسار الثالث مع الدول المنافسة للولايات المتحدة وأوروبا، منها مجموعة البريكس التى تحدث إليها الرئيس السيسى مطولا حول جذور الأزمة، والخطوات الضرورية لحلها، داعيا إلى موقف دولى حازم من الجرائم الإسرائيلية، وإيقاظ الضمائر المتجمدة، وإنقاذ الشعب الفلسطينى من الإبادة الجماعية ومخططات التهجير.

هناك نقطة بالغة الأهمية، أشار لها الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، وكررها أكثر من مرة، تتعلق بالضغوط القوية التى مورست على مصر فى الفترة الماضية، ودعا إلى مراعاة هذه المسألة، وكنت أود أن يفصح رئيس مجلس الوزراء عن جانب من تلك الضغوط، والتى علمت أنها أثرت على مصر، وزادت من أزمتها الاقتصادية، لكن القيادة السياسية رأت أن مصر يمكن أن تتحمل أى ضغوط مهما كانت، وأن الشعب المصرى سيقدر ويتفهم ويتصدى ويصبر، لأن القيادة المصرية تمسكت بثوابتها ومبادئها، ورفضت تقديم أى تنازل، كما أكدت التزامها القوى والدائم بالحقوق المشروعة والعادلة للشعب الفلسطيني، وأنها لا يمكن أن تفرط أو تتراجع قيد أنملة عن تلك الثوابت، إيمانا بعدالة القضية الفلسطينية، واحتراما لدماء وتضحيات جيش مصر وشعبها من أجل تلك القضية، وهى مستعدة ومعها الشعب المصرى كله أن تتحمل وتواجه أى صعوبات من أجل القضية الفلسطينية العادلة، التى تعتبرها القيادة السياسية قضية مصرية، فى صميم أمنها القومى، وأن الشعب الفلسطينى مرتبط بشعب مصر بأواصر الدم، ولا يمكن القبول بأى حل على حساب قضيته العادلة. وكانت لفتة لها دلالتها من الرئيس عبد الفتاح السيسى أن أثنى على بيان الدكتور مصطفى مدبولى أمام مجلس النواب، فى رسالة واضحة إلى أن كلمة رئيس مجلس الوزراء تعبرعن ثوابت الدولة تجاه الأمن القومى المصرى، وتجاه القضية الفلسطينية الباقية فى الضمير الوطنى المصرى دولة وشعبًا. وأعتقد أن رسالة الرئيس قد وصلت، وأن رسالة الشعب المصرى سوف تصل، لتؤكد التلاحم بين القيادة والشعب، والاستعداد لكل الاحتمالات، ومواجهة أى تحديات دفاعا عن المبادئ الأصيلة والموقف الصلب فى سبيل قضايانا العادلة.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: 
كلمات البحث: