رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصمود الأسطورى لغزة وأسئلته «1-2»

لا أدعى معرفة شاملة بالتاريخ تدفعنى للقول إن الصمود الأسطورى الراهن لغزة وأهلها غير مسبوق، فالتاريخ ملىء بالمجرمين الذين ارتكبوا فظائع بشعة سجلها المؤرخون عبر مراحله المختلفة، لكن الصمود الراهن لأهل غزة ومقاتليها لابد وأن يزلزل أى إنسان بقيت له ذرة -بالمعنى الحرفى لكلمة ذرة- من الإنسانية، فهل شاهد أحد من قبل قصفًا وحشيًا كهذا القصف الذى يحيل الأبراج السكنية إلى ركام فى ثوان معدودات يضم جثامين عشرات إن لم يكن مئات من البشر الذين يُقْضَون تحت هذا الركام؟ وهل شاهدنا من قبل الناجين من هذا الجحيم وهم يهرولون إلى الأنقاض لإزالة الركام بأيديهم المجردة دون أى معدات اللهم إلا أدوات بدائية؟ فيستخرجون شهداءهم من تحت الركام، وينقلون الجرحى إلى المستشفيات التى تُقصف بدورها وتُقتحم وتُدَمر معداتها وتُفجر مخازن أدويتها بالحجة السخيفة ذاتها، وهى أن قادة حماس ومقاتليها يختفون تحتها، فإذا لم يجدوا شيئًا ذا بال افتعلوا الأكاذيب التى لا يصدقها حتى حلفاؤهم الذين لا يقلون إجرامًا عنهم، وهل شاهد أحد من قبل جرحى يسيرون على أقدامهم دون عون من أحد إلى المستشفيات وهم لا يجدون سوى أيديهم لتضميد جروحهم؟ فإذا وصلوا جرت محاولات إسعافهم وهم رقود على الأرض دون أى إمكانات اللهم إلا قطرات من مياه أو مطهرات وبعض الضمادات، ناهيك بالعمليات التى كانت تُجرى عندما كانت الإمكانات تسمح بذلك دون مخدر، وهل صُدِم أحد من قبل بالمشاهد التى تخلع القلوب لأطفال يصرخون رعبًا وهم يتعلقون بمن بقى من ذويهم من هول ما لحق بهم من إصابات؟ وآخرون غابوا عن الوعى لجسامة إصاباتهم؟ وأين فى غير مستشفيات غزة نجد مشهدًا كمشهد الأطفال الخدج غير مكتملى النمو الذين تُحسب أعمارهم بالأيام وهم يتلوون ألمًا بعد أن حرمهم القصف وانقطاع الكهرباء من حضاناتهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر؟ وأين فى غير مستشفيات غزة نجد المرضى والجرحى ممددين فى طرقاتها على الأرض دون أى دعم اللهم من إسعافات أولية لا تتوافر مقوماتها غالبًا؟ وأين فى غير غزة نجد الاحتلال يأمر بإخلاء المستشفيات بمن فيها من مرضى وجرحى وطواقم طبية، ويدمر مخازن أدويتها وأجهزتها؟ وأين فى غير غزة نجد مئات الألوف من النازحين سيرًا على الأقدام لعشرات الكيلومترات؟ وبعضهم بلغ من الكبر عتيًا لا يقوى على السير، وبعضهم الآخر يدفعه مرافقوه على مقاعد متحركة، ثم تقصفهم طائرات الاحتلال الذى نصحهم بالاتجاه جنوبًا حيث الأمان، فينجو منهم من ينجو، ويُستشهد منهم من يُستشهد، ويُضطر ذووه لتركه حيث لا بديل لذلك، وعندما يصلون يواصل الاحتلال قصفهم فى الجنوب لذات الحجة الكاذبة السخيفة، وهى أن قيادات المقاومة ومقاتليها قد هربوا تحت وطأة القصف من الشمال إلى الجنوب، بينما يواصل المقاومون فى الشمال صمودهم والتصدى لقوات الاحتلال وإيقاع الخسائر فى صفوفها، وبين أنقاض المنازل وفى خيام النزوح يقضى الغزاويون أيامهم دون طعام وماء وكهرباء وأبسط مقتضيات الحياة، يواجهون البرد والأمطار.

والأسطورة أن أهل غزة رغم كل هذه الأهوال صامدون فى مقاومتهم، وقادرون على إيقاع الخسائر الموجعة فى صفوف عدوهم، ولا يكلون من المسارعة إلى كل مبنى يحوله القصف لأنقاض فيحاولون بأيديهم إنقاذ من يمكن إنقاذه، ويستخرجون جثامين شهدائهم، وأشلاءهم، ويحاولون جاهدين توفير أبسط مقومات الحياة، فهل رأيتم أهل غزة وهم يبنون الأفران والمواقد البدائية، ويجمعون كل ما يمكن أن يشتعل من أجل خبز عدد من الأرغفة يوفر لقيمات للأطفال الجائعين، وطهو وجبات بسيطة تساعد فى سد رمقهم؟ وهل رأى أحد وسط هذه الظروف الكارثية أحدًا ينتقد المقاومة، أم أن الغضب المتأجج موجه للعدو وحده؟ وهل رأى أحد اقتتالًا أو حتى مشاحنات على مصادر المياه المحدودة، أو على ما يتوافر من طعام قليل؟ وهل سمع أحد سوى الحمد لله والدعاء له سبحانه وتعالى بمدد من عنده؟ ويطرح هذا الصمود أسئلة كثيرة أهمها حول حقيقة النوايا الإسرائيلية تجاه غزة، وما يمكن عمله لمساندة أهلها وإنقاذهم.

أما عن حقيقة النوايا الإسرائيلية فقد كان من الممكن فهم الوحشية الإسرائيلية فى إطار نزعة الانتقام المجنون من اللطمة القاسية التى وجهتها المقاومة الفلسطينية لإسرائيل بعملها غير المسبوق فى ٧ أكتوبر، غير أن شمول عمليات التدمير والقتل جنبًا إلى جنب مع دعاوى التهجير إلى سيناء وغيرها لا يدع مجالًا لشك فى أن فكرة إخلاء غزة من سكانها سواء بقتل أكبر عدد منهم أو إجبارهم على التخلى عن أرضهم على نحو يكرر كارثة ١٩٤٨فكرة واردة إن لم تكن أكيدة فى دوائر صنع القرار الإسرائيلى، وقد ذُكِرت هذه الفكرة على لسان عديد من الصهاينة المتشددين الذين تحدثوا صراحة عن استيطان صهيونى فى غزة، ناهيك بالحديث عن أهمية غزة بالنسبة للمشروعات الإسرائيلية الإستراتيجية الطموحة، وهو ما قد يؤكد صدق الوثيقة المسربة التى نُسِبت للاستخبارات الإسرائيلية بعنوان «خيارات التوجيه السياسى للسكان المدنيين فى قطاع غزة»، وأولها بقاء السكان فى قطاع غزة وإسناد الحكم للسلطة الفلسطينية، وثانيها بقاؤهم مع استحداث سلطة محلية، والثالث إجلاؤهم لسيناء، وتعطى الوثيقة الأولوية للخيار الثالث، وترى أنه قابل للتنفيذ بشرط تحلى المستوى السياسى بالصرامة فى مواجهة الضغط الدولى، والتركيز على دعم الولايات المتحدة والدول الحليفة له، وتعليقى أن هذا الخيار هو عشم إبليس فى الجنة، فتمسك الفلسطينيين بأرضهم، والرفض الحاسم لمصر بدعم دولى واضح يجعل هذا السيناريو مستحيلًا، ويبقى سؤال مساندة أهلنا فى غزة وأولى خطواتها وقف إطلاق النار، وهو ما يتناوله الجزء الثانى من المقالة بإذن الله.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: