رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المقاطعة الشعبية والتنمية الاحتوائية

رغم الآثار العديدة لانتشار المقاطعة الشعبية للمنتجات الإسرائيلية والشركات المؤيدة لها، كرد فعلى طبيعي عن المجازر اليومية والهجمات الوحشية من جانب القوات الصهيونية على قطاع غزة، فإنها يمكن ان تنعكس إيجابا على الاقتصاد القومي وتسهم في إخراجه من الأزمة الراهنة. إذ أدى تراجع الاهتمام بالقطاعات السلعية خلال الفترات الماضية، الى العديد من الآثار السلبية على الاقتصاد وإصابته بحالة من الضَعف والوَهَن، انعكست على جميع المتغيّرات والمؤشرات الاقتصادية وأدت الى تراجع وتدهور البنية الإنتاجية في المجتمع عموما، ولدى شركات قطاع الأعمال العام والقطاعين العام والخاص على وجه الخصوص، مما انعكس بالسلب أيضا على معدلات الإنتاج والإنتاجية، بحيث أصبح الإنتاج المحلي لا يكفي لتغطية الاحتياجات المحلية، بل وأخذت الفجوة بينهما في الاتساع عاما بعد آخر، مما يزيد من فاتورة الواردات وعجز الميزان التجاري. وبعبارة اخرى فإن معدلات النمو المتواضعة بفعل تباطؤ دوران عجلة الإنتاج في القطاعات الاقتصادية السلعية، وبصفة خاصة القطاعات ذات الإنتاجية المرتفعة والصناعات التحويلية تُلقي أعباءً جسيمة على المستقبل من حيث إمكانية دفع الطاقات الإنتاجية لتوليد فرص العمل المستهدفة في ظل انخفاض معدلات الاستثمار إلى مستويات حرجة، فضلا عن عدم القدرة على توفير الموارد العامة للدولة بالقدر الكافي للوفاء بكامل متطلبات تحقيق مطالب الشعب، والمتمثلة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وهنا تشير الإحصاءات الى انخفاض قيمة الواردات المصرية من66‪٫‬3  مليار دولار خلال الفترة (يناير –اغسطس2022) الى نحو54‪٫7‬ مليار خلال نفس الفترة من العام الحالي، بانخفاض نحو 11٫7 مليار دولار، مع ملاحظة ان الواردات غير البترولية قد هبطت من 57 مليار دولار الى 46‪٫‬8 مليار، خلال نفس الفترة، معظمها من السلع الوسيطة، الامر الذى يشير الى إمكانية قيام الصناعة بالإحلال محل الواردات. وهو ما يؤدي إلى وفر في العملات الأجنبية المُنفقة على الواردات التي ينتج بديل محلي لها. وتوجيه هذه الحصيلة لشراء السلع الاستثمارية التي يصعُب تصنيعها محلياً. وإحداث تحويلات هيكلية في البُنيان الإنتاجى، وتشغيل الطاقات العاطلة واستغلال الموارد المتاحة والإقلال من انعكاسات التقلّبات والأزمات العالمية الحالية على الاقتصاد المحلي. ومن هنا أصبح التساؤل المطروح هو ماهى آليات تحقيق ذلك؟

ويمكننا القول إن الانطلاق بأي عملية تنموية يبدأ أساسا من إحداث التغييرات الهيكلية التي تساعد على زيادة القدرة على إيجاد فرص عمل وتوليد الدخول لمختلف فئات المجتمع وتحويله إلى مجتمع منتج. وبالتالي العمل على إعطاء أهمية كبرى والتركيز على تعديل الهيكل الإنتاجي الحالي وإزالة المعوقات التي تعيق قدرة المؤسسات على الاضطلاع بمهامها. وتسهيل بناء القواعد الإنتاجية وتعبئة الموارد المحلية واستخدامها أفضل استخدام ممكن من خلال التوسع المنظم والفعال في بناء القواعد الإنتاجية، وتطبيق سياسات عاجلة لتحفيز الاستثمار الصناعي (الخاص والعام). وبعبارة اخرى وضع استراتيجية تنموية تضمن التنسيق التام والكامل بين القطاعات المختلفة للاقتصاد القومي، والقدرة على بناء قاعدة إنتاجية قوية تساعد على الانطلاق نحو تحقيق الأهداف التنموية للبلاد. خاصة أن اى عملية للتنمية الاحتوائية تأتي أساسا من الاستثمار الجاد والبناء عن طريق تعبئة الموارد المحلية «المدخرات» واستخدامها في بناء القواعد الإنتاجية، ولهذا فان التجارب الناجحة فى النمو هي التي يتوجه فيها الجزء الاكبر من التدفقات الاستثمارية الى القطاعات الأكثر قدرة على توليد فرص عمل جديدة أوإضافة قيمة مضافة حقيقية الى الاقتصاد القومي، وتحديدا القطاعات الإنتاجية وليس الخدمية.إذ إن الدولة التنموية هي التي تؤسس شرعيتها على قدرتها على إطلاق عملية تنموية متواصلة لا تقتصر فقط على رفع معدل النمو الاقتصادي وانما الأهم هو إحداث تحولات جذرية فى هيكل الإنتاج المحلى، وإحداث تحولات مهمة فى النظام الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية القائمة، وكلها أمور لا تتحقق إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم التنمية الاحتوائية من جديد. وخلال السنوات الماضية زاد وزن القطاع الخاص تدريجيا فى الاقتصاد مع حدوث تحولات كبيرة فى الهيكل القطاعي للناتج، حيث تراجعت الزراعة والصناعات التحويلية لمصلحة العقارات والتشييد. وعلى الجانب الآخر فمازال القطاع الخاص يفضل الأسواق المحلية ويبتعد كثيرا عن الأسواق الدولية نظرا لارتفاع هامش الربح بالأولى. وهذا سبب منطقي فى ضوء كون السلع غير القابلة للتداول ليست محكومة بعوامل السوق الدولية، وبالتالي فأسعارها تتحرك بحرية فى الأسواق الداخلية بينما السلع الأخرى تتأثر بعوامل السوق الدولية، وهذا الاختلاف النسبي فى الأسعار يشجع على إنتاج المزيد من السلع للأسواق المحلية وليس العكس. ولهذا نلحظ ان عدد الشركات المصدرة أي التي تقوم بالتصدير مباشرة منخفض للغاية لا يصل الى 9% فحسب من الشركات الصناعية. ومما يزيد من خطورة المسألة سيادة حرية الاستثمار دون وجود مخطط تنموي محدد بصورة واضحة، وهو ما أدى إلى ما يمكن تسميته عشوائية الاستثمار، ومن ثم وجود استثمارات غير مطلوبة أو مرغوبة على الأقل فى الفترة الراهنة. والأهم من ذلك وجود طاقات عاطلة كبيرة فى العديد من القطاعات. فمن الضروري التفرقة بين الاستثمار الفعلي والاستثمار المرغوب فيه، إذ انه ورغم أهمية تراكم رأس المال فى حد ذاته،فإن تحسين نوعية الموارد وفاعلية استخدامها له أهمية كبيرة أيضا. فى هذا السياق صدر العديد من التشريعات المهمة على رأسها قانون الاستثمار الجديد؛ وغيره من القوانين.ناهيك عن بعض السياسات الأخرى مثل تحرير سعر الصرف وغيره، وكلها أمور تهدف الي تهيئة البيئة للاستثمار الجاد وزيادة قدرة المستثمرين على تقدير العوائد والمخاطر الاقتصادية المتوقعة في المستقبل مع تأكيد مبدأ الشفافية، مما يساعد على إزالة المعوقات التي تعيق قدرة بعض المؤسسات على الاضطلاع بمهامها.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: