رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مأساة غزة والعنف المنتظر

ليست هناك صفقة بشأن المحتجزين، العملية سوف تستمر إلى أن تحقق أهدافها، فقدنا الاتصال بعدد من عناصرنا وأسراهم. تصريحات ثلاثة تعبر عن مأساة غزة، الأول منسوب لرئيس الوزراء الإسرائيلى ردا على مطالب أهالى الأسرى الإسرائيليين لدى حماس، ينفى فيها علنا كعادته عن عدم وجود أى صفقات لتبادل أسرى مع حماس، فى حين تواترت معلومات فى الصحف الإسرائيلية عن التوصل إلى بعض تفاهمات، عبر وساطة أمريكية قطرية، لتبادل أسرى جزئى مقابل وقف إطلاق النار لعدة أيام ورفع القيود عن الإمدادات الإغاثية لأهالى القطاع، لكنها رُفضت من جانب أعضاء الحكومة المتطرفة التى يرأسها نيتانياهو، ولا تؤمن سوى بقتل الفلسطينيين، وتهجيرهم إلى خارج أراضيهم للاستيلاء عليها وضمها.

التصريح الثانى المنسوب لجالانت وزير الحرب الإسرائيلى الرافض كل الدعوات لوقف آلة القتل الإسرائيلية فى غزة أيا كان مصدرها، أممية أو أمريكية، فتُظهر الجانب الوحشى المتغطرس فى رد الفعل الإسرائيلى، والواهم بأن جذوة المقاومة الفلسطينية سوف يتم إطفاؤها إلى الأبد، ولن يبقى للفلسطينيين سوى العيش ورقابهم تحت المقصلة الإسرائيليية، المدعومة أمريكيا وغربيا بلا حياء أو ذرة من خجل.

التصريح الثالث منسوب لأبى عبيدة الناطق العسكرى باسم حركة حماس، يوضح فقدان الاتصال ببعض عناصر الحركة الذين يقومون بحراسة الأسرى الإسرائيليين، ما يعنى الاحتمال الكبير بتعرض هؤلاء الآسرين الحمساويين والمأسورين الإسرائيليين، لقصف مدمر من قبل آلة القتل الهمجية الاسرائيلية، ربما أدى إلى قتل الجميع دون أن يحدد متى حدث ذلك وأين تم؟. وهنا يظهر قدر كبير من الشفافية ولو جزئيا، ففى الأمر رسالة لأهالى الأسرى بأن المسئول عن قتلهم هم الحكومة الإسرائيلية بكل أطيافها، والتى لا يعنيها أبدا حياة من يدعون العمل على تحريرهم. جزء من هذا التصريح يُعد حربا نفسية لاشك فى ذلك، أما الجزء الأهم فهو شفافية الاعتراف بتأثير آلة القتل الإسرائيلية على الجميع؛ فلسطينيين وغير فلسطينيين، مقاومين ومأسورين، فالموت لا يفرق بين أحد وآخر.

المواقف الثلاثة تجسد جانبا مأساويا لما يجرى فى غزة من استمرارية الدمار والقتل والاستهداف المتعمد لكل مظاهر الحياة، سواء كانت مدنية خالصة أو غير ذلك، جمادا أو بشرا، لا فرق، بما فى ذلك التضحية العمدية بحياة الأسرى الإسرائيليين، وهم الذين يتم التشدق بملء الفم أن تحريرهم هو الأولوية لحكومة الحرب.

هذه الجوانب المأساوية لا يتوقف تأثيرها على طرفيها المباشرين، او على مداها الزمنى الراهن والذى يبدو مفتوحا على شهور وربما لسنوات مقبلة، فهناك الكثير من التجليات التى حفزتها الأفعال الشنيعة والمروعة التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى ضد المدنيين فى غزة، والتى تجسد أحدها فى ردود فعل غاضبة ومظاهرات مؤيدة للحق الفلسطينى فى الولايات المتحدة وأكثر من بلد غربى، رافضة الادعاءات الاسرائيلية، وداعية حكوماتها لمراجعة مواقفها السابقة، وأن تفعل شيئا لوقف المجازر الإسرائيلية التى لا تتوقف ليل نهار بحق مدنيين عزل. لقد ظهرت حقيقة الكيان المروعة للكثير ممن تصوروا سابقا أنه كيان مُسالم مُحاط بوحوش كاسرة، فإذا به كيان إرهابى بامتياز، تقوده مجموعة متطرفة تؤمن بأساطير عفا عليها الزمن، ولا يردعها رادع قانونى أو إنسانى، ومستفيدة من تواطؤ غربى ودعم غير محدود لتقتل بلا هوادة من تعتبرهم أعداء يسعون إلى إخفائها من الوجود.

التغير الحادث فى صورة دولة الكيان والمصحوب بغضب قطاعات متفاوتة الحجم بين بلد وآخر، وإن حقق بعض التغيير فى لغة بعض المسئولين الأمريكيين والأوروبيين، لكنه يظل تغييرا هامشيا لا يتجاوز صعيد الكلمات والتصريحات التى قد تتجاوب جزئيا مع بعض مكونات الرؤية العربية والفلسطينية حول ضرورة وقف العدوان فورا، وسبل التسوية التاريخية المقبولة عربيا، بينما المواقف الحقيقية والمشهودة عمليا تصب فى اتجاه آخر تماما، أقل ما فيها غياب أدنى درجات الضغط على حكومة الكيان لوقف العدوان، والتى تمتلك تلك الدول الكثير منها، لاسيما الولايات المتحدة تحديدا، ولكنها لا تجرؤ وغالبا لا ترغب فى توظيف أى منها لفرض تغيير حقيقى فى العدوان الإسرائيلى، ما يدعو الكثير من المراقبين الى وصف تلك السياسة المزدوجة التى تجمع بين أقوال تحمل قدرا من الإيجابية، بينما الافعال تدعم العدوان وقتل المدنيين واحتلال غزة، وتحويل الحق الفلسطينى إلى مجرد الحصول على كسرة خبز وقطعة قماش قد يتدثر بها عند وفاته، والتى تبدو محتومة إن لم يكن بالرصاص والقنابل، فبالجوع والألم ومنع العلاج والوقود.

المأساة الحقيقية الكامنة فى تلك المواقف التى تتسم بالنفاق والازدواجية، انها لا تعى تماما النتائج المدمرة لمصالح الغرب فى المنطقة العربية والإسلامية، والتى ستتعرض بشكل او بآخر إلى افعال ضارة قد يتجه إليها شباب محبط فاقد الأمل فى تحرك يعيد له إنسانيته المفقودة، فى الوقت نفسه ناقم على كل من تسببوا فى المأساة التى يعيشها، فلا يجد سوى اللجوء الى التطرف والعنف. ولعل التعاطف والتأييد والانتشار الذى حظى به مقطع فيديو منسوب لابن لادن على وسائل التواصل الاجتماع، والذى يصف فيه الصراع بين فسطاطين؛ أحدهما شرير قوى، والآخر خيّر، ولكن لا سبيل أمامه سوى المبادرة بالعنف، لرد العدوان ومكافحة فسطاط الشر. وهو تعاطف متأثر قطعا بالمأساة الجارية فى غزة، لكنه يؤشر إلى استعداد كامن لمجموعات قد تظهر فى أى مكان، تعيد إنتاج 11 سبتمبر بأى شكل كان. والعبرة لمن يعتبر من خبرات غيره.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: