رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العلم ونهضة الأمم

لا تزال الإنسانيةُ تمر بلحظاتٍ وأحداثٍ حاسمةٍ تُمثِّلُ لحظات حاسمة حضاريةً تُغيِّرُ مجرى التاريخ واتجاهه، وتحضُر دومًا فى رحلة صعود الأمم والشعوب.

وعندما نزلت أول آية فى القرآن الكريم «اقرأ» كانت حدًّا فاصلًا بين زمانين؛ فبعد هذه الآية بدأ زمن العلم والأخذ بأسبابه، وانتهى زمن الجهل والخرافة إلى غير رجعة؛ فقد كان عصر ما قبل نزول الوحى أحد فصول التاريخ البشرى المظلم، حيث انزوى العقل جانبًا، وترك مكانَه للجهل والكهانة والخرافة لتُشكِّلَ وعيَ الإنسان وتُوجِّهَ سلوكه؛ فأنتجت ممارساتٍ بعيدةً عن المنطق قبل أن تكون بعيدةً عن الإنسانية.

لقد كانت «اقرأ» نهايةً لهذا الفصل المظلم وبدايةً لعصرٍ مضيءٍ بنور العلم والوحي، ولم تكن دعوة القرآن للعلم والقراءة دعوةً لقراءةٍ محدودة؛ بل كانت دعوةً لقراءة شاملة متكاملة، تعى وتُدرك كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور.

فكتاب الله المسطور هو الوحى بما يحمله من تعاليم شرعية وقِيَمٍ إنسانية، وكتاب الله المنظور هو آياته الكونية التى تُحيط بنا وتدعونا للتأمل فى الخلق وفيما يمكن أن يصنعه الإنسان فى هذا الكون من عمارةٍ وتطويرٍ وتجديدٍ؛ لذلك كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتدبر القرآن فى كل آية، ويقرؤه قراءةَ العالِم بمكنونه وما يحمله من آياتٍ؛ فكان يقرأ مُتَرسِّلًا، إذا مَرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبَّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سَأَل، وإذا مَرَّ بتعَوُّذٍ تعَوَّذ.

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتشيِّد البناء القيمى الإسلامي، وجعلت العلمَ على رأس ذلك البناء، فكان أول القيم التى أرساها الوحي، وأكثر القيم التى حاطتها الشريعة ونصوص الوحى عنايةً وتفصيلًا، ولم يكن غريبًا على المجتمع الذى تأسَّست لبناته الأولى وقت نزول الوحي، وشهدوه وسمعوه غضًّا طريًّا من فم النبى «صلى الله عليه وسلم» أن يسارعوا لتطبيق تلك القيمة فى أنفسهم وفى كل شئونهم، فانطلق أصحاب النبى «صلى الله عليه وسلم» يحصِّلون ما يمكن لهم تحصيله من علوم الدارين ويأخذون بأسبابه، وسعى النبى «صلى الله عليه وسلم» فى غرس ذلك فى نفوسهم، حتى صار العلم ركيزة رئيسية فى بناء الدولة الإسلامية الجديدة إلى أن بلغت النهضة ذروتها فى العصور التالية، ووصلت الحضارة الإسلامية لأوج قوتها متسلحةً بالعلم والإيمان معًا.

إنَّ الناظر فى تاريخ الحضارة الإنسانية لا يجد كثير عناء ليدرك العلاقة الطردية بين الأخذ بزمام العلم وبين الصعود الحضارى والعكس، وإننا ونحن نشاهد الصعود الحضارى الغربى حتى وصول الغرب إلى ما هم عليه الآن نرى بوضوح اهتمامهم الكبير، بالإضافة إلى التطوير المستمر فى أنظمة التعليم والمناهج التعليمية.

إن هذا التطوير المستمر وتلك القفزات الهائلة التى حقَّقتها الدول الكبرى فى مجال العلم والتعليم إنما تحقَّقت لإدراكهم معنى العلم بمفهومه الشامل، وأن الاهتمام بالعلم يجب أن يكون عمليةً مركبةً تشمل الاهتمام بكل عناصر العملية التعليمية بدايةً من الكتاب الذى يُمثل موضوع عملية التعلم، مرورًا بالمعلِّم ركيزةِ العملية التعليمية ثم الطالب الذى هو الغاية منها، والمناهج التى تضمن انتظام تلك العملية فى مسارها المثمر وتحقيق غاياتها المقصودة، والبيئة التعليمية التى تمثِّل مناخ الوصول للأهداف التعليمية.

ومن هنا كان إدراك دور العلم بمعناه الشامل فى النهوض الحضارى لابد أن يكون جزءًا من ثقافتنا ووعينا الجمعى فى أمتنا العربية والإسلامية، ولابد أن نعرِف أن قضية البعث والإحياء لحضارتنا بقِيَمها وركائزها عملية كبرى تحتاج إلى الأخذ بكل الأسباب العلمية لتكون منطلقنا نحو ذلك.

ولعلنا ونحن ننظر إلى الخطوات التى تخطوها الدولة المصرية فى العقد الأخير نلمس إدراكًا حقيقيًّا لما نشير إليه؛ فسيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى أعرب بوضوحٍ عن إيمانه بأن بناء الإنسان المصرى هو الأساس للوصول للنهضة والتنمية الحقيقية، ولذلك جعل الرئيس ذلك البناء على رأس أولويات الدولة، ومن ثَم اتخذت الدولة خطواتها الفعالة فى التأسيس الشامل لهذا البناء بدنيًّا وعقليًّا وثقافيًّا؛ فبدأت الدولة تتخذ خطواتٍ حقيقيةً لتطوير التعليم، وأعلن الرئيس فلسفة نظام التعليم الجديد التى تقوم على التعامل مع العملية التعليمية كمنظومة شاملة ومتكاملة فى جوانبها العلمية والتربوية والثقافية والرياضية، والوصول إلى مرحلة الفهم والابتكار وتنمية الملكات الإبداعية.

كما بذلت الدولة جهودًا كبيرة فى تطوير مناهج التعليم الدراسى وَفق رؤية تقوم على فكرة التسلسل والتراكم العلمي، وبما يتناسب مع المعايير الدولية، وذلك بالتعاون مع الخبراء والشركاء الدوليين.

إنَّ الأهمية الحقيقية فى تلك الخطوات الفعالة التى تبذلها الدولة المصرية ويوليها السيد الرئيس عنايته لا تتمثل فقط فيما تحقق منها على أرض الواقع وإنما تتمثل أيضًا فيما تُظهره من الوعى التام من صانعى القرار فى بلدنا العظيم بأهمية التعليم ودوره فى صناعة النهضة والصعود الحضاري، وهو ما يملؤنا جميعًا بالاطمئنان والثقة فى كل الخطوات والسياسات المقبلة، والتى نؤمن أنها ستكون واعيةً بالقدر الكافى لتحقيق ما هو أصلح لأمتنا المصرية.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: