رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ملاحظات حول مستقبل غزة «٢ــ٢»

عرضت المقالة السابقة لاثنتين من الملاحظات الست على الأفكار الاستعمارية المغرورة السخيفة المطروحة من إسرائيل والولايات المتحدة حول مستقبل غزة، وكانت الأولى أنها أفكار مبكرة جدًا، لأن المعركة مازالت دائرة، ولا أحد يعرف المنتصر أو المهزوم بعد، ناهيك بأنه حتى لو هزمت المقاومة ـ لا قدر الله ـ فى هذه المعركة فإن حركات التحرر الوطنى لا تُهزم وفقًا للخبرة التاريخية، ومن ثم فإن التصور الوحيد لمستقبل غزة ليس حكمها لحساب إسرائيل وإنما تحريرها مع الضفة الغربية تمهيدًا لقيام الدولة الفلسطينية، ومن لا يعجبه هذا عليه انتظار الموجات التالية الأشد قوة للمقاومة حتى ولو خسرت هذه المعركة عسكريًا، وتتعلق الملاحظة الثالثة بالأساس القانونى للدولة الفلسطينية، ولدينا ترسانة من القرارات الأممية فى هذا الخصوص لعل أهمها قرار الجمعية للعامة للأمم المتحدة فى نوفمبر١٩٤٧بتقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية مع وضع دولى خاص للقدس، ولقد رفضته الدول العربية آنذاك، لكنه كما أسس لشرعية دولية لإسرائيل يجب أن يؤسس لشرعية الدولة الفلسطينية على ما هو أكثر بكثير مما تبقى من أراض للدولة الفلسطينية المأمولة، ناهيك بأنه يحرم إسرائيل من عاصمتها الأبدية الموحدة كما تدعى، وهى لا تستطيع قانونًا التنصل من قرار التقسيم الذى قُبِلَت على أساسه فى الأمم المتحدة، أما الأساس الثانى فهو قرار مجلس الأمن٢٤٢الصادر فى نوفمبر١٩٦٧، وصحيح أنه لا ينص على دولة فلسطينية، لكنه ينطوى على انسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها فى عدوان١٩٦٧بعيدًا عن ترهات غياب أداة التعريف عن النص الإنجليزى، فديباجة القرار ومداولاته قاطعة فى أن الفقرة الخاصة بالانسحاب تعنى انسحابًا شاملًا، لكنه الالتفاف الإسرائيلى المعتاد على الشرعية الدولية، ثم يأتى بعد ذلك قرار مجلس الأمن ١٥١٥ لعام ٢٠٠٣الذى يتم تجاهله عمدًا من دوائر بعينها لحساب القرار٢٤٢و٣٣٨، وذلك لأنه يؤكد وجود دولتين لإسرائيل وفلسطين ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وأُذكر بأن هذا القرار بُنى على خريطة طريق أمريكية استندت إليها الهيئة الرباعية الدولية فى وضع رؤيتها الصريحة لحل الدولتين، فأين هذا كله من الأفكار الشائهة المتداولة حاليًا لحكم غزة بعد أوهام سحق المقاومة الفلسطينية؟ أما الملاحظة الرابعة فتنصرف إلى الأساس الواقعى الذى يمكن أن يُبنى عليه قيام الدولة الفلسطينية، والواقع أن هذا الأساس جلى وواضح منذ أعلنت الحركة الصهيونية فى مؤتمرها الأول فى بازل ١٨٩٧هدف تأسيس دولة لليهود فى إسرائيل، ومنذ بداية تجسيد المشروع الاستيطانى الصهيونى فى فلسطين بعد أن عُهِد لبريطانيا صاحبة وعد بلفور بالانتداب على فلسطين فى ١٩٢٢ففتحت أبوابها على مصراعيها للهجرة اليهودية التى أسست البنية التحتية للدولة الصهيونية، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم تتوقف المقاومة الفلسطينية، ليس بمعنى المقاومة اليومية، وإنما بمعنى الصمود وتحمل الضربات والسير فى منحنى تاريخى صاعد يتسق وخبرة التاريخ وحركته، وهكذا أبدع الشعب الفلسطينى فى أساليب نضاله من النضال المسلح إلى النضال المدنى، ومن انتفاضة الحجارة فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى إلى انتفاضة الأقصى فى مطلع القرن الحالى، وكما أفضت انتفاضة الحجارة إلى الاعتراف بالشعب الفلسطينى ومنظمة تحريره فى اتفاقية أوسلو١٩٩٣رغم سوءاتها أفضت انتفاضة الأقصى إلى إجبار إسرائيل على الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات القريبة منها فى ٢٠٠٥، وهانحن نشاهد جولة تاريخية للمقاومة من المؤكد أن حصادها سيترك بصمة غير مسبوقة على طريق تحرير فلسطين، فإذا كان المستعمر الباغى يصر على مواصلة غبائه والعجز عن فهم منطق التاريخ ودروسه فلينتظر ضربة قادمة أقسى وأشد لو انتصر فى هذه الجولة، وهذا هو الأساس الذى نستند إليه فى حديث الدولة الفلسطينية المستقلة والذى تؤكده التطورات منذ استكمال إسرائيل احتلال أرض فلسطين فى ١٩٦٧. تبقى ملاحظتان عن الموقفين الفلسطينى والعربى، وبالنسبة للموقف الفلسطينى فإن بيد الفصائل الفلسطينية أن تُعَجل بيوم النصر التاريخى باستعادة وحدتها اليوم قبل الغد. لقد شهدت حركات التحرر الوطنى كافةً انقسامات على طريق التحرير بعضها طبيعى نتيجة التباين الأيديولوجى والسياسى، وبعضها الآخر تمت تغذيته من المستعمر أو قوى إقليمية وعالمية صاحبة مصلحة، ولقد بُذلت أكثر من١٠محاولات لرأب الصدع بين فتح وحماس فصيلى المقاومة الرئيسيين منذ وقوع الصدام الدموى بينهما فى ٢٠٠٧، غير أنها باءت بالفشل، وأعتقد أن الأوان قد حان لإغلاق هذه الصفحة الكئيبة فى تاريخ النضال الفلسطينى حتى نُعَجل بيوم الانتصار التاريخى، وثمة مؤشرات مشجعة حتى الآن من موقف السلطة الفلسطينية مما يجرى لابد من البناء عليها حتى يتم تحقيق هذا الهدف الضرورى الحاسم، أما الموقف العربى المساند فهو بالغ الأهمية فى هذا الصدد، ولا يخفى تراجع الظهير العربى لقضية فلسطين وبالذات بعد الانتفاضات الشعبية العربية فى مطلع العقد الثانى، والتى أوجدت شواغل داخلية لدول عربية عديدة حرفتها عن التركيز على قضية فلسطين، ولا يخفى كذلك التباين الراهن فى مواقف الدول العربية، وافتقار هذه المواقف إلى آليات الضغط اللازمة، وقد جمعتنى فرصة سعيدة بالسيد عمرو موسى فى الاحتفال السنوى لمؤسسة بطرس غالى للسلام والمعرفة أتاحت حوارًا ثريًا حول هذه النقطة تحديدًا، وأكد الأهمية الفائقة لموقف عربى قوى فى هذه الظروف، واقترح آلية محددة لتفعيل هذا الموقف، وهى آلية ثلاثية من السعودية كرئيس حالى للقمة العربية، ومصر والإردن باعتبارهما الدولتين الأكثر ارتباطًا بالقضية، وقد أخذت قمة الرياض الطارئة الأخيرة بهذه الفكرة جزئيًا بتكوين اللجنة الوزارية السباعية، غير أن هذه اللجنة العربية-الإسلامية لا تزيح المسئولية العربية الأساسية عن وقف المذبحة الإجرامية الإسرائيلية التى تجرى فى غزة على مرأى ومسمع من العالم أجمع.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: