رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقافة الأخذ بالأسباب

قادت الشريعة الإسلامية أعظم حركات التغيير فى التاريخ الإنسانى على الإطلاق، وتكمن عظمة هذا التغيير فى كونه تغييرًا غير سطحى وغير محدود، بل كان شاملًا وجذريًّا، يستهدف العمق الإنسانى بأخلاقه وقِيَمه، ويرمى إلى تحرره من كل القيود الفكرية وغيرها.

لقد كان للإسلام فلسفةٌ خاصةٌ فى التغيير جعلت منطلَق التغيير الحقيقى نابعًا من الإنسان نفسه،

فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»؛ فجعل سبحانه وتعالى مناطَ التغيير الإلهى هو التغيير على المستوى الإنسانى النفسي، وهو ما كان يدركه النبى صلى الله عليه وسلم والجيل الأول من بناة الحضارة الإسلامية من أصحابه رضوان الله عليهم؛ فعلموا أن التغيير يبدأ من عند أنفسهم، فبدأوا بتغيير أنفسهم وتحريرها من كل أدرانِ الشرك والتعلق بغير الله، ونبذوا كل العادات الجاهلية، واستمسكوا بكل ما يأتيهم من الوحى ومن قِيَم الشريعة الإسلامية، ولاقوا فى سبيل ذلك موجةً عاتيةً من الاضطهاد والتضييق والمواجهة غير المتكافئة؛ فلما صبروا على تغيير أنفسهم أنزل الله تعالى نصرَه وأجرى سنن تغييره ليؤسسوا أعظم الحضارات البشرية.

إنَّ الواقع المتأزم الذى نعيشه اليوم بكل ما يحمله من تحدياتٍ يجعلنا نأمل دومًا فى تغيير حقيقي، وهو ما يستدعى بالضرورة ثقافةً يجب حضورها اليوم أكثر من أى وقت مضى، وهى ثقافة الأخذ بالأسباب؛ فلا شكَّ فى أن لله سبحانه وتعالى سننًا وقوانينَ وأسبابًا يُجريها سبحانه وتعالى فى الكون على خلقه، لا دخل للإنسان بها، ولا يمكنه التأثير فيها، وإن تلك الأسباب الإلهية دومًا ما تجعلنا نتساءل عن الدور الإنسانى فى التغيير، وإحداث الفارق فى مجريات الأمور عبر التاريخ فى ظل وجود الأسباب الإلهية والقوانين الربانية.

والحقيقة أنَّ للإسلام نظرةً خاصةً فى الربط بين العمل والسعى الإنسانى (الأسباب المادية)، وبين القوانين والأسباب الإلهية، وفى هذا الربط جواب عن ذلك التساؤل السابق، وفيه بيان لدور الإنسان وسعيه وعمله فى إحداث التغيير واستحقاق الأسباب الإلهية.

فالله سبحانه وتعالى لم يُرِد من الإنسان أن يتواكل ويَدَع العمل والسعى إلى غايته ومراده انتظارًا لما يقدره ويجريه الله سبحانه وتعالى، بل إنه سبحانه وتعالى جعل الأخذ بالأسباب مناطًا لما يجريه من نصر وتأييد ورزق وغير ذلك؛ لأن تلك الأسباب فى مقدورنا وفى استطاعتنا؛ فالله لما أراد عقاب قوم نوح وإنقاذه هو ومَن تَبِعه من المؤمنين أمره بصنع سفينة وحَمْل من آمن معه، لينجو من الطوفان، مع قدرته سبحانه على حفظه وحمايته بدونها، وكذا رزق مريمَ طفلًا بغير أب، وكلَّفها سبحانه وتعالى ببذل الجهد بضرب النخلة لتحصيل الرزق الذى هو قادر على توفيره لها بغير عمل، وفى ذلك إشارة واضحة إلى أنه تعالى يريد منا دومًا الأخذ بالأسباب.

وفى سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم من الأمثلة الناطقة بذلك ما لا يُحصى، فالنبى صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة من مكة للمدينة أخذ بكل الأسباب المادية، من اختيار الطريق والتوقيت والصاحب والمرشد وطريقةِ الخروج، وكل ما تتطلبه تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر، ومعاذ الله بأن يتواكل صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يترك الأخذ بالأسباب، رغم علمه يقينًا أنه سبحانه وتعالى يحوطه بعنايته وحفظه، إلا أنه علَّمنا أن الأخذ بالأسباب من تمام الإيمان، وأنَّ حفظ الله ورعايته وتوفيقه أمرٌ لاحقٌ لبذل الوسع والعناية التامة من الإنسان.

إنَّ هذا ما يدفعنا إلى نقطة غاية فى الأهمية، وهى أن التوكل على الله لا يتنافى مطلقًا مع الأخذ بالأسباب، وأن ما يتوهمه البعض من أن صدق التوكل يقتضى التفريط فى الأخذ بالأسباب المادية هو خطأ محض يتعارض وما قررته الشريعة الإسلامية فى هذا الصدد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوى خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف».

وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»، فضرب مثلًا فى صدق التوكل بالطير، وجعل مِنْ صِدْق توكلها أَخْذَها بالأسباب المادية، فهى تغدو وتروح، أى تسعى بِكَدٍّ فى طلب قُوتِها، وهذا ما يجعل من توكلها أمرًا مثمرًا، حيث تأتى الأسباب الإلهية عقب هذا السعي، وترتبط به ارتباطًا مباشرًا، فيرزقها الله تعالى من فضله بناءً على أخذها بالأسباب.

إنَّ الإيمان لا يكون بترك العمل والتعاطى مع الأسباب المادية، بل إنَّ جوهر الإيمان وحقيقته هو الجزم والتصديق التام بأن سنن الله الكونية وأسبابه الإلهية حاضرة دومًا من أجل المؤمنين الذين لا يدَّخرون وسعًا فى العمل ابتغاء تحصيل المراد من خلقهم من عمارة الأرض ونشر الخير.

إنَّ النصر والفلاح الذى نبتغيه ونتطلع إليه كل يوم بيد الله سبحانه وتعالى، وقد طلب سبحانه وتعالى مِنَّا أن نعد العدة والعتاد وأن نشمِّر عن ساعد الجد والاجتهاد، حتى ننال ذلك النصر والفلاح، الذى جعله سبحانه من نصيب المتوكلين، الذين يأخذون بالأسباب وفى الوقت نفسه لا تتعلق قلوبهم بها، بل يوقنون بأنه سبحانه مسبب تلك الأسباب، فيبذلون كامل عنايتهم وهم يعلمون أن النتائج بيد الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن التوكل عليه، وأن يشملنا بعنايته للأخذ بكافة الأسباب المادية لما فيه صلاح أمتنا ووطننا، ويكلل جهودنا بتوفيقه.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: