رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إسرائيل واستحقاقات السلام

ظلت المراوغة والتهرب سمة التعامل الإسرائيلى مع كل أطروحات السلام، والوصول إلى حل دائم وعادل للصراع الإسرائيلي-الفلسطينى، وكان هذا السلوك واضحا فى كل المحطات التى شهدت مفاوضات سلام، سواء فى أوسلو أو مدريد أو كوبنهاجن أو كامب ديفيد، وكانت الأطروحات الإسرائيلية تصر على صيغة المراحل فى تقديم أى استحقاقات مطلوبة منها، وفى المقابل تطالب بما تريده دفعة واحدة، وتوقف اتفاق أوسلو فى التطبيق عند الانسحاب الجزئى من المنطقة (أ) فى رام الله، حيث المقر المؤقت للسلطة الفلسطينية، ثم جمدت المفاوضات وأجّلت باقى الاستحقاقات، بينما كانت تلتهم أراضى المنطقتين (ب) و (ج)، وتهدم مساكن الفلسطينيين بحجج شتى، أهمها عدم الحصول على تصاريح بناء، أو أى مخالفات تختلقها، وفى المقابل تبنى المستوطنات، التى بلغت أوج سرعتها بعد عقد تلك الاتفاقيات. والآن تواصل إسرائيل المراوغة، وتريد إلقاء كرة النار فى غزة على الآخرين، وتقترح إدارة عربية أو أوروبية أو دولية للقطاع، يحقق لها أهدافها الأمنية، من دون أن تقدم شيئا أو تتحمل شيئا، وتسعى إلى فصل قضية غزة عن القضية الفلسطينية، وكأن غزة ليست فى قلب القضية الفلسطينية، ولا يمكن تسوية الأوضاع فيها من دون حل شامل، يتضمن انسحاب إسرائيل من الأراضى الفلسطينية المحتلة فى عام 1967، وتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى جانب قطاع غزة، لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. أما الطرح الذى يروج له وزير الخارجية الأمريكى بلينكن فلا يتجاوز الرؤية الإسرائيلية على الإطلاق، بينما الرؤية المصرية لا تفصل بين مناقشة مستقبل غزة بعد الحرب ومجمل القضية الفلسطينية، وترى أن الحرب أكدت أن عدم التوصل إلى حل دائم وشامل، وسعى إسرائيل إلى فرض أمر واقع جديد على حساب الحقوق الفلسطينية تسبب فى اندلاع الحرب وما جرّته من مآسٍ كان يمكن تجنبها لو التزمت إسرائيل بالاستحقاقات المطلوبة منها، وسلكت نهجا منفتحا وجادا على طريق مفاوضات السلام. لكنها تهربت عمدا، واعتقدت أنها يمكن أن تربح كل شيء دون أن تقدم أى شيء، فى استخفاف واضح بالأطراف الأخرى، لكنها ينبغى أن تدرك الآن أنها سلكت الطريق الخاطئ وأن عليها أن تغير ذلك النهج العقيم، الذى يتسبب فى انسداد أى أفق أمام الشعب الفلسطينى، ويسد طريق الأمل أمامه، ولا يجد إلا طريق المواجهة المسلحة. لقد شخص الرئيس عبدالفتاح السيسى طبيعة الصراع بكل دقة ووضوح وإيجاز، ووصف العلاج والحل الجذرى بتنفيذ حل الدولتين على أساس القرار الدولى 242 الذى يقضى بانسحاب إسرائيل من الأراضى العربية المحتلة فى حرب 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.


لقد أحبطت مصر أى فكرة أو مخطط لإسرائيل بتهجير سكان غزة إلى سيناء، وقال بكل صرامة إن التهجير من غزة خط أحمر، ووأد الفكرة فى مهدها، وتجاوب معه كل قادة الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، وأكدوا رفضهم التهجير، وأدركت إسرائيل معنى الخط الأحمر الذى أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسى، وتوقف الحديث عن خطط التهجير، لكن مصر أخذت احتياطاتها لأى احتمال، وتجهزت لكل الظروف، وتراقب عن كثب الأوضاع داخل غزة، وتضغط على إسرائيل بأن تنفذ التزاماتها كدولة احتلال تجاه السكان الذين تحتل أراضيهم وفق القوانين الدولية، وأن تدخل لهم كل المساعدات الضرورية لحياتهم، لأنها الجهة المسئولة بحكم القانون الدولى عن حياة ومتطلبات السكان الواقعين تحت الاحتلال.

إن الشق العاجل فى أزمة غزة حاليا يتعلق بسرعة وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الطبية والغذائية، بما يحمى السكان ويخفف عن المصابين وباقى السكان الذين تهدمت مساكنهم ويعيشون فى العراء، ويعانون الجوع والعطش والمرض والبرد، بعد أن خرجوا من بيوتهم خوفا من التدمير والقتل، ولم يسعفهم الوقت ليأخذوا منها أبسط الاحتياجات، ويخرجوا إلى الشوارع هائمين، لا يجدون المأوى، وتلك المأساة الإنسانية المروعة لا يمكن السكوت عليها، وقبل أن يناقش المبعوثون مستقبل غزة بعد الحرب، عليهم أولا إغاثة سكانها المعرضين للموت قتلا أو جوعا أو مرضا. ومن شأن وقف إطلاق النار وإغاثة سكان غزة أن يجنب المنطقة احتمالات اتساع نطاق الحرب، الذى من شأنه إلحاق دمار واسع فى المنطقة، لن ينجو منه أى من أطراف الصراع، ووقف تدحرج كرة النار التى لا يمكن توقع إلى أين تتجه وإلى أى مدى، واحتمال انفلات الحرب الواسعة مازال قائما، وكثير من الأطراف استعدت لها، وينبغى احتواء أى تصعيد، ويبدأ بإطفاء النيران فى غزة، وفتح الأبواب أمام المفاوضات للحل الشامل الذى تتبناه مصر.

إن المنطقة والعالم أمام اختبار صعب، وليس من مصلحة أى طرف أن تتعرض المنطقة لمخاطر حرب واسعة، من شأنها أن تكلف العالم الكثير من الخسائر والدماء، فى توقيت مازال يعانى فيه العالم نتائج انتشار جائحة كوفيد والحرب الأوكرانية، ولا يحتمل إضافة مأساة جديدة، لهذا على كل الأطراف أن تستخلص العبر مما حدث، وأن تعالج إسرائيل الأخطاء، وتكف عن الغطرسة والاعتماد على القوة والردع، إذا أرادت أن يسود الاستقرار والهدوء المنطقة، أما إذا واصلت سياساتها، وأصرت على الاستمرار فى التنكيل والقتل فى غزة، فإنها لن تجنى إلا المزيد من الكراهية، وستدفع أثمان جرائمها فى حق المدنيين من أطفال ونساء غزة، وتغرق فى الدماء التى تسيلها.

إن إسرائيل من راوغت وماطلت وعطلت كل مبادرات السلام، وإسرائيل من أضعفت السلطة الفلسطينية ومنعت عنها أموالها، وانتزعت صلاحياتها، فكانت النتيجة تقوية شوكة الفصائل المسلحة، وإسرائيل من جعل حياة الفلسطينيين لا تطاق بالتوسع فى الاستيطان على حساب هدم منازل الفلسطينيين، والتوسع فى الاعتقال، وإساءة معاملة الأسرى، وتشجيع اقتحام المستوطنين المسجد الأقصى، واعتقدت أنها بالحديد والنار سوف تفرض سلطتها على الأراضى المحتلة، وتقضم الأراضى الفلسطينية، وتغلق كل سبل الحياة أمامهم، فحصدت الانفجار والغضب.

إن الهدنة تفتح الباب أمام عملية سلام حقيقية وجادة، يمكن أن تمنح السلام للجميع، فلا ينبغى تفويتها، بل يجب تمديد الهدنة، لتعطى فرصة لإعادة الحسابات والاستماع إلى صوت العقل، الذى تجسده الرؤية المصرية.

إن عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة لا يمكن أن يتحقق إلا بخطة إعادة إعمار في إطار خطة السلام الشامل والعادل لإقامة الدولة الفلسطينية على كامل أراضي الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية بخطوات تنفيذية واضحة المعالم وفي مدى زمني محدد.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: