رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

6 ملاحظات حول مستقبل غزة «١»

يحتاج المرء قدرًا هائلًا من كظم الغيظ وضبط النفس كى يتعامل مع الأفكار المتغطرسة السخيفة التى تطرحها الدوائر الإسرائيلية والأمريكية بخصوص مستقبل غزة، وكأن السردية الإسرائيلية الأمريكية صحيحة عن عصابة من الإرهابيين أساءت الأدب وتطاولت على أسيادها فحق عقابها، ولأن هذه العصابة تحتمى بشعبها فحقت إبادة هذا الشعب عن بكرة أبيه إن أمكن، وعندما يتم العقاب وتُجْتَث العصابة كما يتوهمون فإن ما يتبقى هو أن نعثر على من يحكم غزة لتكون طائعة ذليلة تسبح بحمد المستعمر وتلهج ألسنة شعبها بالدعاء له بأن يديم الله همجية المستعمر ووحشيته، وليست هذه السردية إلا حالة نموذجية للعقلية الاستعمارية المتحجرة التى لا ترى أبعد من مواقع قدميها ولا تفهم حرفًا من خبرة التاريخ، ولأصحاب هذه العقلية أسوق ملاحظاتى الست التالية:

فى الملاحظة الأولى أُنبه أصحاب المنطق الاستعمارى إلى أن الوقت مازال مبكرًا على الامتداد بغرورهم إلى بحث مستقبل غزة، فمنذ البداية طاش صوابهم بعد طوفان الأقصى، فانطلقوا فى عملية انتقام مجنونة من الفضيحة التى لحقت بهم، وأطلقوا العنان لغرورهم فتحدث رئيس وزرائهم - الذى أنهى الطوفان صلاحيته السياسية للأبد - عن انتقامه المروع الذى سيغير الشرق الأوسط بينما قواته التى لا تُقهر تقف لحظة كتابة هذه المقالة عاجزة عن إحراز إنجاز نوعى فى اقتحامها القطاع بعد مرور شهر كامل على بدء المواجهة، وعندما تُنشر هذه المقالة تكون طوفان الأقصى قد أصبحت ثانى أطول المواجهات العسكرية العربية - الإسرائيلية بعد حرب ١٩٤٨، ومع ذلك فهم يتحدثون بثقة وغطرسة عن البحث عمن يحكم غزة بعد اجتثاث حماس، وأُكرر أنهم بهذا لا يفهمون حرفًا من خبرة التاريخ، فالمقاومة ضد الاحتلال لا تُجْتَث، وإنما قد تخسر جولة بل جولات، لكنها تنهض من تحت الركام، ويأخذ منحنى قوتها فى الصعود مع الزمن حتى تصل إلى اللحظة التى تُجْبر فيها المستعمر على التسليم بمطالبها، وأرجو ألا يظن أحد أن هناك أى شبهة لعاطفة قومية أو تحيز فكرى، فهذه قوانين التاريخ التى لم يكتمل انطباقها بعد على فلسطين، وإنما يسهم النضال الراهن فى التعجيل بتمام هذا الانطباق. هكذا هُزمت فرنسا فى الهند الصينية فى خمسينيات القرن الماضى، وفى الجزائر فى ستينياته، وهُزم الاستعمار البرتغالى فى إفريقيا والبريطانى فى جنوب اليمن والولايات المتحدة فى فيتنام فى سبعينياته، ثم عادت لتُهْزم فى العراق بعد أقل من عقد على غزوه فى ٢٠٠٣، وفى أفغانستان بعد عقدين من القتال لكى تُسلم بهزيمتها فى ٢٠٢٠، وتتفق مع «طالبان» التى غزت أفغانستان أصلًا للإطاحة بها على الانسحاب من أفغانستان بشرط وحيد هو ألا تسمح «طالبان» باستخدام أراضى أفغانستان ضد الولايات المتحدة، علمًا بأن الهزيمتين الأخيرتين وقعتا والولايات المتحدة تزهو بأنها القوة العظمى الوحيدة فى العالم، فما بالنا الآن ونحن نشهد تحولات حقيقية فى النظام الدولى خطت التعددية القطبية فيه خطى واسعة؟ فلا تستعجلوا التفكير فى من يحكم غزة بعد أن توقعوا الهزيمة بمقاومتها، فمازال محتملًا أن تكون الهزيمة من نصيبكم، كما حدث فى عدوانكم على لبنان ٢٠٠٦، وقد تبقى حماس لتكون هى من يفاوضكم، وقد تهزموا المقاومة لا قدر الله فى هذه الجولة، لكى تحدث بعدها جولات ممتدة لن تنتهى إلا بانتصارها. وفى الملاحظة الثانية أفترض لا قدر الله أن المقاومة قد خسرت هذه الجولة، وهنا لابد من رد الأمور إلى أصولها، فليست المقاومة فى غزة نبتًا شيطانيًا بمقدور أحد اجتثاثه كما يزعمون، وإنما هى تعبير عن حالة وطنية باقية وإن هدأت حينًا من الزمن، لكنهم لا يفقهون، ومعروف أن لحماس خصومها بحكم أيديولوجيتها وممارساتها فى غزة، لكنها الآن ليست فصيلًا سياسيًا ينافس غيره على السلطة، وإنما هى حركة تحرر وطنى تتكاتف معها كل الفصائل، وليسموها بالإرهاب، أو يعتبرونها داعش فلسطين بما ينم عن الجهل والكذب لأنهم يعرفون جيدًا الفارق بين حماس كحركة تحرر وطنى تستهدف اقتلاع الاحتلال، وداعش التى تتجه أساسا للمسلمين لتكفيرهم وإنزال العقاب الوحشى بهم، ومن هنا فإن جوهر القضية أن غزة ومعها كامل أراضى فلسطين حالة نموذجية لاستعمار استيطانى، وإذا كان العرب والفلسطينيون قد قبلوا فى ظروف معينة بعد هزيمة ١٩٦٧ما يُسَمى التسوية التاريخية فإن التفكير فى مصير ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية لا يمكن أن ينبع إلا من هذا التكييف، أى أنها أراضٍ محتلة يجب أن تعود لأصحابها، ومن ثم لا يكون السؤال من يحكم غزة بعد حماس؟ وإنما كيف نزيل الاحتلال من غزة والضفة الغربية معًا، وليس معقولًا بعد كل هذه التضحيات التى قدمها أهل غزة وكل شعب فلسطين أن تكون النهاية هى البحث عمن يحكم غزة لصالح الاحتلال، وإذا لم يعجبهم منطق التحرر الوطنى فى تقرير مستقبل غزة والضفة معًا فليشغلوا أنفسهم بشىء آخر أغلب الظن أنه سيكون الدفاع عن النفس الذى يتوحشون فى تفسيره واتخاذه مبررًا لجرائمهم ضد الإنسانية، وسيكون هذا الدفاع بإذن الله ضد الموجات القادمة من المقاومة أيا كان الفصيل الذى يقودها أو الفصائل التى تشارك فيها. فإذا كانت نقطة الانطلاق بعد طوفان الأقصى هى الخلاص من الاحتلال، فعلى أى أساس قانونى يجب أن نبنى استقلال ما تبقى من فلسطين، وكيف يكون تجسيده على أرض الواقع؟ الحقيقة أن هناك من الأسس القانونية والقرارات الدولية والآليات السياسية ما يكفى ويزيد لتأسيس استقلال ما بقى من فلسطين، ناهيك بالمساهمات العربية، وفى الأسبوع القادم بإذن الله أحاول الإجابة عن هذه الأسئلة باستكمال باقى الملاحظات.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: