رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البعد الغائب للمذبحة

.. وإذن فمازال العالم كما عهدناه، غابة متوحشة، كبيرها يأكل فيها الصغير.. وإن الناظر إلى ما تشهده غزة الآن من مجازر يشيب لها الوِلدان ليتساءل بلسان الحسرة: أين إنسانية البشر، وأين ما ظلوا يكبسون به أدمغتنا، فكأنها جوالات قطن، بأن الإنسان أرقى الكائنات، وأن الحضارة والمدنية والثقافة قد هذبت سلوكه وأخلاقه، وأنارت ضميره؟

إنك أمام ما تبصره عيناك فوق الشاشات، من قتل وذبح وحرق للأطفال، ودفنهم أحياءً، أو وهم مازالوا أجنَّة ببطون أمهاتهم، لتكاد تصرخ: واللهِ إن الحيوان لألطف شمائل، وأرقُّ قلوبًا، وأرحم، منكم أيها القتلة السفاحون.

مئات السنوات مضت ونحن نقرأ بشغف، وبتصديقٍ أبله، إسهامات المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين، عن الحرية والإخاء والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان (ومااعرفش إيه)، ثم تفاجأ بأن ما قرأت ليس إلا محض هراء، لا يساوى ثمن الحبر الذى كُتِبَ به.. وها هى غريزة القتل الوحشى الهمجى السادى مازالت على ما كانت عليه منذ مذابح الفايكينج وهولاكو والهنود الحمر. لا شىء تغيّر. الذبح مازال لا يفرق بين رضيع فى مهد وجندى فى ساحة القتال، فالكل إزاء شهوة الدم سواء.

قد نفهم أن الجندى المحترف، فى ساعة النزال والمبارزة والطِعان، يتلبسه الغضب المسعور، إما رغبة فى الثأر، أو دفاعًا عن الأرض والعِرض، أو حتى للفرار بروحه، لكن ما بال المواطن البسيط، فى كل بقاع الأرض، لايبالى بذبح آلاف الأطفال، بل ويصفق تشجيعا وانبهارا بالقتلة المجرمين؟... هل نحن بشر هذبتنا الحضارة فعلًا؟.. أم نحن هم نحن، منذ عهد أبينا قابيل؟.

إن المرء ليتساءل، وهو يقرأ كتابًا لبرنارد شو، أو رواية لتشارلز ديكينز، أو فيكتور هوجو، أو قصيدة لإليوت: هل هى حقا أرضٌ خراب.. وأن ما كتبه هؤلاء لم يمس أرواح وضمائر الناس، وإنما هى كانت كتابة لمجرد تمضية أوقات الفراغ بجوار المدفأة، فى ليالى أوروبا شديدة البرد؟

يا سبحان الله، يظل الناس يشاهدون مشاهد الذبح والهدم والتهجير القسرى فى غزة فلا يحركون ساكنًا، ويذهبون للنوم كأن شيئا لم يكن.

ما هذا التلبد فى المشاعر.. وما تلك البلادة؟.. وليتها بلادة لمرة أو مرتين، بل بلادة دائمة متواصلة مستمرة، رأيناها فى هيروشيما، وفى دير ياسين وبحر البقر، وفى كابول، وفى بغداد، والآن فى غزة، فكأنما بشر اليوم هُم بشر الكهوف السحيقة المظلمة، آكلو لحوم أشقائهم أحياءً، قبل اكتشاف النار.

هل هناك تفسير ما؟... نعم، ألف تفسير وتفسير، أولها أن منتجات الفكر والثقافة والفن لم تمس إلا هوامش الروح البشرى، ولم تتوغل إلى أعماقه فتغيرها، وإلا كيف يقبل إنسان متحضر قتل طفل هكذا بدم بارد؟

ولعل التفسير الثانى هو أن الطبغ غلاب: (نصحتك ما اتنصحت/ والطبع فيك غالب/ وديل الكلب ما ينعدل/ ولو علّقت فيه قالب.. !.

ويبقى تفسير ثالث: هو أن ثمَّة حكمة من وراء ذلك كله، لا يعلمها إلا علّام الغيوب، وهى أن الذى يبدو لنا ظلما وظلاما الآن، ربما كان بداية ميلاد جديد، وليس ما نراه فى غزة الآن إلا آلام المخاض.. قُلْ يا رب.


لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات

رابط دائم: