رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جديد بلينكن لغزة.. لا جديد!

من المؤسف أن تظل المواقف الأمريكية ساكنة عند حدود الشعار المخادع بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، والذى عنى منذ اللحظة الأولى لإطلاقه فى السابع من أكتوبر الماضى إعطاء تفويض لا سقف له لإسرائيل للتعافى من هزيمتها العسكرية والنفسية الهائلة واهتزاز ثقتها ببقائها، لتفعل ما تريد فى غزة من قتل للأطفال والأمهات، وتدمير المبانى السكنية فوق رءوس ساكنيها المدنيين، واستخدام أسلحة محرمة أمريكية الصنع لإحداث أكبر قدر من التدمير، وقصف المشافى على رءوس المرضى والأطقم الطبية، وكذلك المدارس التى تحولت إلى ملاجئ للضعفاء، ومؤسسات الأمم المتحدة التى فقدت احترامها، وذلك كله بضمان أمريكى وغربى بائس بألا تتعرض إسرائيل وحكامها المهووسون بالقتل والانتقام، لأى نوع من المحاسبة، وفقا لما يُشار إليه القانون الدولى ومعاهدات جنيف المنظمة للحرب وغير ذلك من القواعد الدولية التى يتحدث عنها الرئيس بايدن كثيرا دون أن يهتم بتطبيق ولو نسبة 1 فى المائة مما تتضمنه تلك المواثيق الدولية.

مبعث الأسف أن الولايات المتحدة تطرح نفسها قائدة للنظام الدولى، وتدعى دائما أن لديها قناعات وقيما أخلاقية ترغب فى أن تسود العالم تحت رايتها وزعامتها، الأمر الذى فقد صدقيته على كل المستويات. وبئس قيادة فاقدة للأخلاق والقيم والإنسانية. صحيح فى الداخل الأمريكى مظاهرات بدأت فى الخروج فى عدد من الولايات، يشارك فيها يهود أمريكيون، تطالب الرئيس بايدن بوقف إطلاق النار فى غزة، ووقف آلة القتل الإسرائيلية التى تجاوزت كل الحدود، لكن الموقف الرسمى يظل على حاله من حيث الجوهر، أى الدعم اللامتناهى لنخبة الحرب الإسرائيلية، فى الوقت ذاته إطلاق التصريحات المراوغة حول الحرص على تخفيف آلام الفلسطينيين، ومراعاة القانون الدولى، وعدم قبول ما وصفه جون كيربى المتحدث الرسمى لمجلس الأمن القومى الأمريكى بدعم بلاده ما وصفه بالتوطين الدائم لمدنيى غزة خارج القطاع، ورفض وقف إطلاق النار لأنه حسب زعمه يفيد حماس، ويسمح لها أن تعاود هجومها على إسرائيل. وهو ما أكده وزير الخارجية بلينكن فى لقائه مع عدد من وزراء الخارجية العرب ومسئول فلسطينى فى عمان السبت الماضى، مضيفا أن الحاجة إلى حماية المدنيين الفلسطينيين لن يكون على حساب دعم واشنطن لحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها ضد حركة حماس.

المواقف الأمريكية على النحو المُشار إليه، تفصح عن فجوة هائلة مع الموقف العربى من جهة، وعدم إدراك التداعيات الخطيرة لاستمرار آلة القتل الإسرائيلية فى غزة من جهة ثانية. وإذا أعملنا مفهوم المخالفة المعمول به فى تحليل الخطاب، سيتضح لنا أن جوهر الموقف الأمريكى قائم على فكرة ضمنية بتهجير الفلسطينيين من غزة، بصورة متدرجة وذات طابع ناعم يمكن تسويقه، عبر عنها كيربى بالقول عدم دعم بلاده توطين دائم لمدنيى غزة فى الخارج، والتى تعنى أن فكرة وهدف التهجير القسرى بهدف توطين الفلسطينيين خارج القطاع هى هدف أمريكى إسرائيلى متفق عليه، بغض النظر عن المخاطر الحقيقية التى يعنيها هذا التهجير القسرى لعموم الإقليم واستقراره وللمصالح الأمريكية ذاتها.

أما القول بعدم دعم التوطين الدائم، فهى عبارة مقصود بها تخدير الرأى العام العربى، لا أكثر ولا أقل، وتلك خطيئة أخرى تقع فيها إدارة الرئيس بادين إن تصورت أن هناك من سيسمح من العرب وعلى رأسهم مصر والأردن بتوطين مدنيى غزة خارج أراضيهم المملوكة لهم، سواء أخذ وصف المؤقت أو الدائم. لاسيما وأن خبرة الشعوب العربية خاصة الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، تجعلها لا تثق إطلاقا فى الوعود الإسرائيلية والأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

يمتد عدم الثقة إلى التحركات الأمريكية الخادعة والتى لا تتوقف، وهدفها إيجاد ثغرة فى الموقف العربى تحقق من خلالها الأهداف الإسرائيلية بمشاركة أمريكية لم تعد خفية على أحد، وهى شراكة أمريكية مباشرة فى أعمال القتال ضد المدنيين فى غزة، اعترف بها البنتاجون وإن حددها فى قيام طائرتين مسيرتين غير مسلحتين لرصد ما يجرى على الأرض وإبلاغ الجيش الإسرائيلى بالمعلومات التى يتم رصدها، والتى تفيد جيش الاحتلال فى توجيه ضرباته الجوية القاتلة على العديد من الأهداف المدنية، بحجة البحث عن الرهائن الإسرائيليين. والواقع يفضح تلك المشاركة فى قتل المدنيين بما فى ذلك الأسرى أنفسهم، وقصف المستشفيات ومدارس الأمم المتحدة، ورفض وقف إطلاق النار، والمصادقة على أسلحة بعدة مليارات لجيش الاحتلال لكى يستمر فى حملته الهمجية ضد قطاع غزة بغرض تفريغ شماله من السكان، وإجبارهم على النزوح إلى الجنوب دون أن يتوافر لهم الحد الأدنى من متطلبات البقاء أحياء، فلا ماء ولا دواء ولا طعام ولا وقود، وإن سُمح بشىء من مساعدات الاغاثة يظل محدودا ولا يناسب حجم الاحتياجات الفعلية.

الصيغة التى تعمل عليها إسرائيل بمشاركة أمريكية مكشوفة، سياسيا وعسكريا، لا تتعلق بإنهاء حركة حماس، كما يتم الترويج له، إذ يدركون تماما أنه هدف مستحيل التحقيق بفعل كون الحركة اجتماعية شاملة محمولة على قناعات راسخة دينياً وسياسياَ وقومياَ، إن قُضى على جيل منها، فهناك أجيال أخرى، وإن تم البحث عن صيغة لحكم القطاع، بفرض تحقيق انتصار حاسم كما يتوهم الاحتلال الاسرائيلى، تحت وصاية دولية أو بحكم عسكرى إسرائيلى مباشر، فكلاهما غير قابل للتحقق، فلن يشارك أى بلد عربى فى صيغة دولية يدرك أنها خطوة لتصفية القضية الفلسطينية لصالح الاحتلال. أما الحكم العسكرى الإسرائيلى للقطاع أو أجزاء منه، فهى تعنى حربا دائمة، وقتالا لا نهاية له، وقتلى إسرائيليين سوف يتساقطون يوميا وبكثافة، وتضحيات فلسطينية باتت قدرا إلى أن يتحقق أمر العلى القدير، بنصر قريب محتوم.


لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: