رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وسام من العميد .. وصفعة للصهيونية

بداية أدين المحاولات الاستعمارية لمساواة المقاومة التى يقوم بها أبناء شعب سلبت أرضه منه منذ أكثر من سبعين عاما واتهامه بالإرهاب، الذى هو صناعة أمريكية وغربية، خاصة بريطانية وفرنسية، وتأكيدا لما كتبت من تساؤلات الأسبوع الماضى عن إقامة دول عربية لعلاقات وتبادل سفراء وتطبيع مع قتلة إخوانهم فى فلسطين شاهدت شريطا مسجلا لرجل دينى مسيحى فلسطينى يكرر الإدانة لهذه العلاقات وبقائها مع كل ما يتعرض له أبناء فلسطين، وعن العلاقات الطيبة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين والذين تمثل وحدتهم عنصرا من أهم عوامل انتصار المقاومة بإذن الله .

فى رحاب عظمته وقراءة بعض إبداعاته الإنسانية والفكرية بحثت عن الأمان والاطمئنان الروحى بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل عميد الأدب العربى فى 28 أكتوبر 1973 بعد أن اطمأن إلى عبور وانتصار جيش بلاده على العدو الصهيونى، رغم التراجع الصحى بعد الجراحة التى أجراها فى العمود الفقرى، ورغم آلامه المبرحة فأظن أنه توسل للخالق عز وجل ألا يرحل إلا بعد أن تطمئن روحه بانتصار بلاده، لذلك كتب الآلاف من تلاميذه الذين كانوا فى وداع جثمانه الطاهر الذى خرج من بيته فى جامعة القاهرة.. «فارقت روحه الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر». ولا أنسى كيف اختلطت عظمة وهيبة طلته خاصة لمن قرأ بعض إبداعاته الفكرية وفى مقدمتها الأيام بهالة من الرحمة والحنو والتواضع، وهى سمة وجدتها فى كل العظماء وهى امتزاج العظمة بالتواضع وكنت فى بدايات عملى الصحفى اكتب البرامج القصيرة للإذاعة التى تسبق آذان المغرب فى رمضان وكان من بينها برنامج بعنوان «قالوا ويقولون» واستضيف فى كل حلقه مفكرا كبيرا للمقارنة بين ما أحدثه الزمن فى قضية من القضايا الفكرية التى تناولها وكتب فيها قبل سنوات وما استجد وحدث لهذه القضية، واخترت قضية التعليم كما تناولها العميد فى كتابه المهم (مستقبل الثقافة فى مصر) وكيف كان يرى أن حل مشكلات مصر بمختلف فروعها يكمن فى التعليم وانه اذا انتشر التعليم وانحسرت الأمية، فسوف تنهض مصر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا لأنه من الصعب احتلال أمة متعلمة والمتعلم يعرف حقوقه وواجباته ويصعب أن تحكمه بالحديد والنار، فالتعليم إلى جانب أنه يرفع مستوى الإنسان المعنوى والمادى فإنه أيضا يرفع الأمة إلى حياة أكثر حضارة ورقيا وتمدنا، وأن الحرية لا تستقيم مع الجهل ولا تتعايش مع الغفلة والغباء والتعليم هو الدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة لأنه يشعر الفرد بما له من حقوق وما عليه من واجبات.

لقد انتابنى الشك عندما طلبت رقم العميد أن يستقبل صحفية ناشئة تجرى معه حوارا من خلال المذيعة الراحلة ناديه صالح، وفوجئت بسكرتير العميد بعد أن حادثه يحدد لى موعدا دون سؤال عن تفاصيل ما أريده .. وفى الموعد المحدد ذهبنا إلى رامتان حيث يسكن العميد وصعدنا حيث يجلس ،فرحب بنا ترحيبا أعاد ألينا الاطمئنان ولم تفارق ابتسامة طيبة وجهه وهو يستمع إلى فكرة البرنامج ويثنى عليها، ومن خلال ما تبقى فى الذاكرة فقد أسف العميد على ما وصل إليه حال التعليم راجيا اهتماما أكثر وإعدادا أفضل للمعلم وإطلاق حريات الطلبة فى البحث والتفكير والتعبير لزراعة مبكرة للحريات وتهيئة النفوس للبحث وما يستتبعه من ألم ولذة ومن جحيم أو نعيم لأنه عاقل وهو من أجل ذلك مكلف .

ما أكثر ما حدث فى حياتى من أحداث ولقاءات مهمة ولكن من أهمها وأعظمها تأثيرا بقيمة العلم والتعلم كان لقاء العميد والوسام الذى وضعه على صدرى عندما قال لى «انك تجيدين نطق اللغة العربية» فحلقت بجناحين من السعادة واندفعت إلى توجيه سؤال إليه وقلت: سيادة العميد هل تقرأ لى ما أكتبه من قصص؟.

فسألنى: وأين هى هذه القصص ...؟

قلت سأكتبها بمشيئة الله.

فأطاح برأسه الذهبى الى الوراء وأطلق ضحكة عالية تمتلئ بالحنو وقال لى (تبعين لى السمك وهو فى الماء).

غادرت بيت العميد وأنا مازلت أحلق بالأجنحة التى يصنعها أن تحصل طالبة بحجم عقلة الإصبع على إعجاب هرم الأدب العربى .

عندما نبحث عن سير العظماء لنعلمها للأجيال الجديدة ألا يجب ان تكون البداية بسيرة وحياة وكفاح وانتصار هرم وعميد الأدب العربى د.طه حسين على ظلام فقد البصر وإظلام ما واجهه من نفوس وعقول مظلمة وكارهة وحاقدة فى كل ما دخلها من معارك من أجل الحرية والعلم والعقل، وإذا كان قد رحل وقد اطمأن على انتصار بلاده صباح الأحد 28 أكتوبر فقد جاءت الذكرى الخمسون للرحيل وعدوان العدو الصهيونى يتواصل على غزة وينهزم أمام المقاومة الوطنية التى تعيد التذكير بكيف هاجم العميد الهجرة اليهودية ومحاولة تهويد فلسطين وانحياز الاحتلال البريطانى للحركة الصهيونية عام 1943، وكتب العميد أن ما حدث ويحدث فى فلسطين هو تهويد بسبب الاستعمار وظلمه الذى صنع هذه المشكلة المعقدة وفى كلمة أمام المؤتمر العام لليونسكو 1950 تحدث عن معاناة الفلسطينيين من ظلم وتهجير وسلب بيوت وأراضى الناس وإجبارهم على النزوح واللجوء، وأشاد بدعم مصر للطلاب الفلسطينيين الذين تركوا أرضهم رغما عنهم وهاجم الصهيونية فى إطار مهاجمة الظلم الواقع على الشعوب العربية وغير العربية وقمع الحريات والكيل بمكاييل غير متساوية ليضمنوا البقاء والسيطرة، وعارض فرنسا فى سياستها الاستعمارية للبلاد فى شمال إفريقيا ، وهاجم بريطانيا وأخذ العميد من المواقف ما جعله خصما قويا للحركة الصهيونية وقبل وفاته بساعات عرف أن الأمم المتحدة منحته جائزة حقوق الإنسان مع شخصيات عالميه فأشار بعدم اهتمامه .. هل ببصره وبصيرته النافذة استبصر كيف ستذبح العدالة وحقوق الإنسان كما يحدث فى غزة الآن!!!.


لمزيد من مقالات سكينة فؤاد

رابط دائم: